بين تحريف العدسة وصوت الميدان: قراءة في تغطية مليونية “الثبات والتصعيد الشعبي”
حدث اليوم - كتب - نعيم الحيد
لم يكن مستغربًا أن تأتي تغطية كقناتي الحدث والعربية على مقاس روايتهما الخاصة، لا على مقاس الحدث ذاته. فبدل نقل الصورة كما هي، انشغلت الكاميرا بالبحث عن زوايا مبتورة، ولقطات معزولة، ولافتات منتقاة بعناية تُقصي اسم الداعي للمليونية أو تُغيّب رموزها، وكأن المطلوب إعادة تشكيل المشهد لا نقله بأمانة.
وبعد أسبوعين من التجاهل والإنكار المتدرج لحجم الحشود، وجدت بعض المنابر نفسها أمام واقع لا يمكن حجبه، فانتقلت من مرحلة الإنكار إلى مرحلة إعادة التعريف.
مليونية “الثبات والتصعيد الشعبي” بالعاصمة الجنوبية عدن لم تكن فعالية رمزية عابرة حتى يُختلف على عنوانها، ولا بيانها الختامي كان نصًا ملتبسًا يحتمل هذا القدر من التأويل. الدعوة كانت واضحة، والجهة المنظمة معلنة، والرسائل السياسية محددة بدقة.
وجاء البيان مؤكدًا تجديد التفويض الشعبي لقيادة المجلس الانتقالي، والتمسك بهدف استعادة الدولة كاملة السيادة دون انتقاص. كما شدد على رفض الوصاية أو الإملاءات الخارجية،
والدفاع عن القرار الجنوبي المستقل. وأكد حق الجماهير في مواصلة النضال السلمي والتصعيد الشعبي المنظم، مع المطالبة بمعالجة التدهور الخدمي والمعيشي وصون الهوية والرموز الوطنية الجنوبية ، ومع ذلك الحشود التي ملأت عدن يومًا بعد آخر لم تخرج لتزكية مسار مفروض، ولا لتقديم غطاء شعبي لحوار مقيّد، بل خرجت لتأكيد الثبات على هدف سياسي معلن. غير أن التغطية الإعلامية سعت إلى إعادة توجيه البوصلة، وتصوير المليونية وكأنها دعم لمسار بعينه، في تجاهل واضح لنص البيان وروحه وسياقه.
الإعلام المهني لا يُعيد هندسة الوقائع؛ ينقلها كما هي، ثم يفسح المجال للتحليل. أما حين تُختزل الحشود في زوايا ضيقة، وتُعاد صياغة أهدافها بما يخدم سردية مسبقة، فذلك لا يدخل في إطار الاجتهاد المهني، بل في دائرة تشكيل واقع بديل.
وفي سياق متصل، ندرك حجم الضغوط التي قد يواجهها أي وفد سياسي خارج أرضه، وكنّا من باب حسن النية نلتمس العذر لكل تنازل قُدِّم تحت مسمى “البراغماتية”، حتى وإن بدا في بعض الأحيان أقرب إلى محاولة تجميل مشهد سياسي معقّد. لكن أن يُعاد تشكيل خطاب مليونية دعا إليها المجلس الانتقالي، وأن يُفرَّغ بيانها من مضمونه ليُعاد سبكه بما يتماهى مع رواية أخرى، فذلك يتجاوز حدود الاجتهاد إلى مساس مباشر بإرادة الجماهير.
الأكثر إيلامًا أن مظاهر التحريف لم تصدر فقط عن وسائل إعلام نختلف معها ونعرف موقعها، بل تسللت أيضًا من أصواتٍ كانت حتى وقت قريب تُحسب على ذات الصف، ثم تبدّل خطابها فور انتقالها إلى فضاء سياسي مختلف. وهنا يبرز سؤال مشروع: هل تبدّلت القناعات فجأة؟ أم أن النصوص باتت تُكتب وفق إيقاع ضغوط لا تُعلن؟
القضية ليست خلافًا في توصيف حدث عابر، بل تتعلق بصدق التمثيل وأمانة نقل الإرادة الشعبية كما عبّرت عن نفسها بوضوح في عدن. فالجماهير التي خرجت إلى الساحات لم تكن بحاجة إلى من يعيد تفسير مطالبها، ولا إلى من يتحدث باسمها بلغة لا تشبهها.
لقد قالت عدن كلمتها في مليونية الثبات والتصعيد الشعبي بوضوح لا لبس فيه. وأي محاولة لإعادة صياغة تلك الكلمة خارج سياقها، لن تغيّر من حقيقتها شيئًا، لكنها ستطرح أسئلة جدية حول المهنية، والمصداقية، وحدود التفويض السياسي والإعلامي.
فليكن الخلاف سياسيًا كما نشاء، ولكن ليبقَ نقل الحقيقة خطًا أحمر لا يُساوَم عليه.









