أبوعوذل على منصة X: الوصاية السعودية - الإيرانية على اليمن.. بين اغتيال يحيى وحيش والغضب الشعبي المتصاعد
لا يمكن الجزم بشأن من اغتال العميد يحيى وحيش، قائد الفرقة الأولى في المقاومة الوطنية اليمنية، فيما إذا كانت جماعة الحوثيين في صنعاء أو تنظيم الإخوان في تعز، لكن يمكن التأكيد على وجود فاعل إقليمي، حصرا بين إيران والسعودية، وكل طرف يريد تهيئة الأرضية لأذرعه، وإن كانت الرياض مؤخرا تسعى إلى تسوية سياسية مع ذراع طهران، ولو كان ذلك على حساب أذرعها "جماعة الإخوان المسلمين والجماعات الوهابية الأخرى".. فأن من مصلحة إيران إزاحة أي قوة يمكن ان تقف حجر عثرة امام استخدام باب المندب "كورقة ضغط جديدة".
تفرض إيران وصاية على الحوثيين، لكنها أقل مقارنة بالوصاية التي تفرضها السعودية على الجنوب، لكن بين وصاية صنعاء وعدن تتقاطع مصالح الدولتين في الساحل الغربي، حيث تبقى القوة الأخرى التي لم تمسها نيران يناير السعودية، وهي القوة الأكثر حضورا اليوم في مواجهة الأذرع الإيرانية، والعدو المشترك للإخوان والحوثيين بالتساوي، وهنا يطرح سؤال يبدو لي أنه في غاية الأهمية: من اغتال قائد الفرقة الأولى بالمقاومة الوطنية؟ ومن المستفيد من ذلك؟
بالنظر إلى تصريحات المتحدث باسم المقاومة الوطنية العميد صادق دويد، الذي سارع إلى اتهام الحوثيين بالتخطيط لاغتيال قائد الفرقة الأولى في المقاومة الوطنية، إلا أن الرياض قد تكون لها مصلحة في تفكيك المقاومة الوطنية، فالرغبة السعودية تكمن في تحقيق تسوية سياسية مع الحوثيين. والعملية العسكرية التي قادتها الرياض تجاه حضرموت والمهرة، بعيدا عن كونها رغبة سعودية جامحة في تحقيق نفوذ على البحر العربي، فإنها تندرج في إطار استراتيجية سعودية ترى إدارة ولي العهد محمد بن سلمان أن التسوية لا يمكن أن تحدث إلا بإزاحة القوة العسكرية التي يمكن أن تشكل تهديدا للحوثيين أو تعرقل تحقيق التسوية التي لا تعرف عنها الحكومة اليمنية إلا ما يرد في تصريحات على لسان المبعوث الأممي إلى اليمن.
لم يعد السؤال: لماذا ضربت السعودية القوات الجنوبية في حضرموت والمهرة؟ بل إن السؤال يكمن في: ما هي القوة التي تسعى الرياض إلى إزاحتها، لضمان تحقيق تلك التسوية مع الحوثيين، والتفرغ السعودي لمشاريع رؤية 2030 المتعثرة واستضافة كأس العالم عام 2034م؟
إن عملية اغتيال قائد الفرقة الأولى في المقاومة الوطنية، العميد يحيى وحيش، عقب شهر من تعيينه قائدا لتلك الفرقة، التي يتمركز مسرح عملياتها في مدينة الخوخة الساحلية المحررة، تفتح الباب للتساؤل حول الدور السعودي في ذلك، لا في الاستهداف المباشر ولا في التنفيذ، ولكن في المصلحة. فالسعودية قد مهدت الطريق أمام سلسلة اغتيالات نفذها الحوثيون، كان أبرزها في مدينة عدن العاصمة، ومنها اغتيال وسام قائد، المسؤول الحكومي البارز، سواء من خلال ضرب القوات الجنوبية وتفكيكها، أو عبر السعي الحثيث نحو تفكيك قوات المقاومة الوطنية في الساحل الغربي.
أعتقد انه من المفترض ترك الألعاب الإلكترونية، والتفكير مليا، هل كانت حرب السعودية على الجنوب في يناير الماضي يمكن أن تخدم مشروع ولي العهد الرامي إلى "قطع يد إيران"، والتي يقول إن نظامها لا يمكن التحاور معه؟ أم أنها وضعته بين كماشة فقدان النفوذ السعودي في اليمن واستقبال القصف الإيراني برحابة خوفا من الوقوع في فخ الحرب الإسرائيلية؟ كيف تدخل حربا لمواجهة إيران، ثم بعد عشر سنوات من الانتكاسة ترمي الاتهامات على إسرائيل بأنها تسعى لجرّك إلى صراع مع إيران، في الوقت الذي كنت قد أطلقت حربا على اليمن تحت عنوان "قطع يد إيران"، بل وكنت تزعم أن تغيير نظام الملالي سيكون على يديك؟.
من اغتال يحيى وحيش هو من وقع اتفاقا مع طهران في مارس 2023م، ومن شن الحرب على الجنوب في يناير 2026م، وهو ذاته الذي اغتال وسام قائد في عدن، ولو أن الفاعل كان "الأذرع الإيرانية"، فإن المسؤولية تقع على من هندس الهزيمة واستهدف من صنعوا الانتصار الوحيد، فلولا انتصار الجنوب لما تحقق للرياض الاتفاق مع طهران برعاية بكين.
اليمن الشمالي اليوم تحت الوصاية الإيرانية، ولكن بشرعنة سعودية، وهي ذاتها من تفرض الوصاية على الجنوب الذي تحرر من الوصاية الإيرانية. والوصاية على عدن تختلف عن الوصاية على صنعاء، فإيران ربما بعيدة نوعا ما، فالنظام هناك يعيش أزمات كثيرة، من بينها الحرب، لكن هناك من يعوض غياب الوصي الإيراني بإرسال الأموال إلى صنعاء، وهي الأموال التي تُبقي الجماعة الحوثية في عاصمة اليمن، وتجعلها تنفذ هجماتها بما يسهم في استنزاف القوات الجنوبية التي تواجه معارك متواصلة مع الأذرع الإيرانية منذ عام 2015م دون توقف.
الوصاية السعودية على الجنوب "فجة وقاتلة" للسكان الذين يفترشون الشوارع هربا من صيف ساخن طردهم من منازلهم، والأكثر فجاجة في الوصاية السعودية هي تلك الحكومة التي تحولت إلى أدوات تبرر للرياض إجراءاتها تجاه المدنيين، في حين أن المبعوث الأممي إلى اليمن السيد هانس غروندبرغ، الذي يدخل في أغسطس القادم عامه السادس، لم يقدم أي حلول سوى أنه جمع السعوديين والحوثيين أكثر من مرة على طاولة تفاوض، في حين أن الجلوس على تلك الطاولة كانت قد أقرته اتفاقية بكين التي لم يكن المبعوث حاضرا فيها، ولا يعلم عنها أي شيء.
قال لي مستشار حكومي يوم الجمعة الماضي، إن الانقلاب الذي قادته السعودية على الرئيس عبدربه منصور هادي كان جزءا من اشتراطات حوثية - إيرانية، وإن الرجل، أي هادي، لم يكن موافقا على إزاحته بتلك الطريقة "غير القانونية"، لولا الضغوط السعودية التي جعلته تحت الإقامة الجبرية حتى وفاته، ومنعته من الخروج لإجراء فحوصات في ألمانيا كما جرت العادة.
وحين تدهورت صحة هادي، أظهره السعوديون في لقاء خلال عيد الفطر الماضي وهو يتكئ على عكاز، وربما أرادت الرياض تقديم رسالة مفادها أن الرجل يعاني من المرض، وأن وفاته ستكون طبيعية.
لم يقدم السعوديون أي مبرر لإزاحة هادي، لكن لماذا رفض الحوثيون المشاركة في المشاورات اليمنية عام 2022م قبل أيام قليلة من انعقادها، على الرغم من أنهم كانوا موافقين على المشاركة في أي مشاورات تتجاوز حقبة هادي؟.
إن إزاحة آخر رئيس شرعي لا يمكن تفسيرها إلا بأنها استجابة لشروط حوثية، بإزاحة من يقولون إنه استدعى الحرب السعودية عليهم. لكن السعوديين أزاحوا الرئيس الشرعي، وشكلوا مجلس قيادة رئاسيا "لا يمتلك أي صفة شرعية"، سوى أنه جاء وفق رغبة "الأصدقاء الأعداء"، طهران والرياض.
فالسعودية التي تقول إن مجلس القيادة الرئاسي هدفه معالجة الأزمة مع الحوثيين "سلما أو حربا"، قامت بتفكيكه وتحويله إلى أداة سعودية لشرعنة حرب الوصاية على الجنوب في يناير الماضي، وهي الحرب التي بقدر ما كانت تنظر إليها الرياض على أنها بوابة لتحقيق التسوية مع الحوثيين، أصبحت وسيلة وغاية إيرانية لإعادة الهيمنة على خليج عدن وباب المندب، والمبرر أن ولي العهد السعودي يفكر في تنفيذ رؤيته المتعثرة والتحضير لكأس العالم 2034، دون أن يضع في الحسبان الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تنهمر على بلده منذ أواخر فبراير الماضي.
الوصاية الإيرانية على الشمال اليمني مستمرة بفضل المال السعودي المتدفق تحت شعار "التهدئة"، والوصاية السعودية على الجنوب بدأت بحرب يناير الماضي، وما زالت مستمرة في صور متعددة: اغتيالات، وحروب معيشية، وأزمات مفتعلة.
ورغم أن الرياض أعلنت في يوم تشييع الرئيس هادي عن منحة مالية كبرى عبر البرنامج السعودي لدعم الكهرباء، لم ينتظر المواطنون في عدن وحضرموت أن يصدق السعوديون هذه المرة في دعم الكهرباء، فذهبوا للمبيت في الشوارع هربا من الانقطاع المتواصل للتيار الكهربائي.
#صالح_أبوعوذل









