حضرموت بين فراغ الأمن ومفارقة مكافحة الإرهاب.. كيف أعادت التدخلات السعودية تمكين تنظيم القاعدة

حضرموت بين فراغ الأمن ومفارقة مكافحة الإرهاب.. كيف أعادت التدخلات السعودية تمكين تنظيم القاعدة

نقلاً عن صحيفة اليوم الثامن

تشير معطيات أمنية موثوقة إلى أن التطورات الميدانية التي أعقبت العمليات العسكرية السعودية في محافظة حضرموت أفضت إلى نتائج عكسية على صعيد مكافحة الإرهاب، كان من أبرزها انتقال أسلحة أمريكية الصنع إلى أيدي عناصر من تنظيم القاعدة في جزيرة العرب. وتفيد هذه المعطيات بأن تلك الأسلحة كانت مخصصة في الأصل لدعم قوات محلية شاركت منذ عام 2016 في تفكيك البنية العسكرية للتنظيم، قبل أن تتغير موازين السيطرة على الأرض.

وبحسب إفادات لمسؤولين أمنيين يقودون تشكيلات مسلحة موالية للرياض، فإن هذه الأسلحة كانت ضمن ترسانة قوات النخبة الحضرمية التي لعبت دورًا محوريًا في طرد القاعدة من مدينة المكلا ومناطق ساحلية أخرى. غير أن تدخلًا عسكريًا سعوديًا واسع النطاق أعاد رسم خريطة السيطرة الأمنية في المحافظة، مبررًا رسميًا بمخاوف أمنية مرتبطة بنشاط المجلس الانتقالي الجنوبي قرب الحدود، إلا أن نتائجه الميدانية أفرزت فراغًا أمنيًا استغلته الجماعات المتطرفة لإعادة التموضع.

وتُظهر التطورات اللاحقة أن العمليات الجوية المكثفة، ذات الطابع الاستنزافي، أسهمت في إضعاف منظومات أمن محلية كانت فاعلة نسبيًا، ما أتاح لعناصر مرتبطة بتنظيم القاعدة وأخرى على صلة بتنظيم داعش الوصول إلى مخازن أسلحة نوعية، من بينها معدات أمريكية متقدمة، استُخدمت لاحقًا في إعادة بناء قدراتها العملياتية.

في المقابل، تسعى السعودية إلى ترسيخ سردية مفادها أن هذه التنظيمات ما تزال ضمن مستوى من السيطرة غير المباشرة، وأن تحركاتها قابلة للاحتواء أو التوجيه عند الضرورة. غير أن الوقائع الميدانية في حضرموت تشير إلى مسار مغاير، حيث دخلت المحافظة حالة من السيولة الأمنية، مع تصاعد مخاطر تحوّل الجماعات المتطرفة إلى أدوات ابتزاز إقليمي ودولي، خصوصًا في ظل قربها من البحر العربي وخطوط الملاحة الدولية الحيوية.

إن ما يجري في حضرموت لا يمكن اختزاله في إخفاق تكتيكي محدود، بل يعكس مفارقة استراتيجية في مقاربة مكافحة الإرهاب، إذ أسهمت سياسات التدخل وإعادة الانتشار في تقويض إنجازات أمنية سابقة، وخلقت بيئة أكثر هشاشة في واحدة من أكثر المناطق حساسية للأمن البحري العالمي.

وفي مقابل هذا المسار، تبنّت دولة الإمارات العربية المتحدة، على مدى ما يقارب عقدًا ونصف، سياسة أمنية وخارجية قائمة على مقاربة استباقية تهدف إلى تعزيز الاستقرار، انطلاقًا من قناعة بأن مكافحة التطرف لا يمكن أن تقتصر على المعالجة الأمنية التقليدية، بل تتطلب رؤية شاملة تعالج جذور الأزمات وتمنع تمدد الفوضى.

وبحسب المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات (ECCIK)، تعتمد المقاربة الإماراتية على مزيج متوازن من الأدوات السياسية والدبلوماسية والأمنية والإنسانية، مع تركيز واضح على دعم استقرار الدول ومنع انهيار مؤسساتها، وتجفيف البيئات التي تستغلها الجماعات المتطرفة لتوسيع نفوذها، وهو ما تجسّد في عدد من ساحات الصراع الإقليمي، أبرزها اليمن وسوريا والسودان وليبيا.

وتعكس هذه المعطيات مجتمعة تحوّل دولة الإمارات نحو نموذج الأمن الوقائي، القائم على منع نشوء التهديدات بدل الاكتفاء بإدارتها بعد وقوعها، عبر الجمع بين القوة الصلبة والقوة الناعمة، وربط الأمن الإقليمي بالأمن الدولي، بوصف الاستقرار نتاجًا لمعالجة الأزمات قبل تحوّلها إلى تهديدات شاملة