بين العسل و السراب : وعود المسؤولين في ميزان المعاناة الجنوبية

بين العسل و السراب : وعود المسؤولين في ميزان المعاناة الجنوبية

حدث اليوم - كتب - رياض منصور

قال الحكماء قديماً: «لا تقول بَرّ إلا وقدّه بين الكبد والصر»، وهي مقولة تختصر حال الخطاب الرسمي الذي نتابعه هذه الأيام؛ تصريحات تتوالى من مسؤولين، سواء على مستوى ما كان يُسمّى بمجلس القيادة – والذي بات عملياً معطّلاً بفعل تجاوزات رئيسه – أو على مستوى المحافظات. جميعها تتفنّن في تزيين الواقع، تغمس العيش في العسل، وتسوّق للمواطن وهماً مفروشاً على بساط من سراب.

دخل تحالف ما سُمّي بـ«دعم الشرعية» إلى اليمن تحت لافتة عملية عاصفة الحزم في 25 مارس 2015، استجابة لطلب الرئيس عبدربه منصور هادي. يومها ضمّ التحالف المملكة العربية السعودية قائدةً له، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ودولة قطر، والكويت، والبحرين، والسودان، مع مشاركة المملكة المغربية.

غير أن حصيلة عشر سنوات كانت ثقيلة الوطأة: كارثة إنسانية شاملة ضربت المجتمع والاقتصاد والسياسة والثقافة، ودمار واسع للبنية التحتية، وانقطاع للرواتب، وغلاء فاحش للأسعار، وانهيار اقتصادي طال العاصمة الجنوبية عدن وبقية محافظات الجنوب.

على مدى تلك السنوات، علت أصوات المواطنين والعلماء ومختلف شرائح المجتمع بمناشدات متكررة لتحالف دعم الشرعية لتحسين الأوضاع، أو على الأقل ضمان الرواتب واستقرار الكهرباء. لكن دون جدوى. حتى الشيخ أنور الصبيحي – رحمه الله – خاطب التحالف من ساحة التحرير بخور مكسر في إحدى خطب الجمعة، مقترحاً بمرارة أن تُباع عشرة صواريخ مما يُقصف به صنعاء، ويُقام بثمنها مشروع كهرباء دائم أو يُوفَّر ديزل مستقر لتشغيل المحطات. ومع ذلك، لم تجد تلك النداءات آذاناً صاغية.

اليوم يُطرح السؤال الملحّ: ما الذي تغيّر حتى يُعاد بيع الوهم للمواطن؟ ما الذي قُدِّم فعلياً؟ راتبٌ لشهر يتبعه انقطاع لأشهر، وتحسّن طفيف في ساعات الكهرباء سرعان ما يتلاشى لغياب مصدر ثابت. أما إخراج القوات العسكرية من مطار عدن ومن عموم المحافظة، فهي خطوة يجهل المواطن دوافعها الحقيقية، ويعزّز الشكوك تغيّر مسمّيات التشكيلات العسكرية والأمنية وشعاراتها وولاءاتها.

لا يمكن إنكار أن ما يحدث اليوم يحمل جانباً إيجابياً، لكن الأجمل – بل الأهم – أن يستمر، وأن تتوقف المتاجرة بقوت الشعب وخدماته في بازار السياسة. ومن الإنصاف ألا نحمّل محافظ عدن، الأخ عبدالرحمن شيخ، ما لا يحتمل؛ فقد تسلّم زمام العاصمة، ومن الطبيعي أن تكون لديه رؤى وخطط للنهوض بها، ونحن سنكون عوناً وسنداً له لا عبئاً عليه، حتى يسود الأمن والسلام.

ويبقى السؤال الجوهري: إذا عاد الوفاق والوئام بين الشقيقة الكبرى ودولة الإمارات العربية المتحدة، هل ستعود البلاد إلى مربع الفوضى وحروب الأزمات؟

ما يجري اليوم لا يبدو دعماً حقيقياً بقدر ما هو نكاية سياسية، وإذا عاد الودّ بين الطرفين، فهل ستعود «ريما» إلى عادتها القديمة؟ هل سيعود شبح الفقر والجوع، وتتجدد الأزمات والانهيار الاقتصادي، لتخيّم من جديد على أرض الجنوب والعاصمة عدن؟

أسئلة مفتوحة، وإجاباتها وحدها ستكشف إن كنا أمام بداية تصحيح مسار… أم مجرد فصل آخر من فصول السراب.