إلى المثقف ,عبدالرحمن الراشد,: إذا كانت طهران تسقط.. فلماذا تدافع عنها الرياض؟
#صالح_أبوعوذل
أشعر بالشفقة على الوضع الذي أصبح عليه بعض المثقفين السعوديين، بعد أن تبيّن لي أن الكثير منهم يعيشون حالة انفصال حقيقية عن الواقع الذي فرضته اتفاقية بكين في عام 2023م. وربما ليس انفصالاً بقدر ما هو "مساحة متروك الحديث فيها"، وعدم تجاوز الانتقاد للخطوط الحمراء المرسومة؛ كأن تنتقد التمترس السعودي في الدفاع عن مشاريع الإسلام السياسي الشيعي الاثني عشري والسني الوهابي والإخواني، وهو الإسلام السياسي الذي يتبنى التطرف والإرهاب لتحقيق مشاريع جيوسياسية عابرة للحدود على حساب شعوب أخرى لا تزال تدفع فاتورة رفض مشاريع الإسلام السياسي (هذا).
وهنا يمكن لأي متابع أن يسأل نفسه: لماذا يستحضر الكاتب السعودي عبدالرحمن الراشد في كل مقالة حقبة الزعيم جمال عبدالناصر؟ وهو، مثله مثل أي زعيم عربي أو ملك سعودي، رحل بعد أن خاض تجربة سياسية كانت لها سلبياتها وإيجابياتها. إلا أن الراشد يريد تكريس فكرة أن السعودية هي الحاضنة للإسلام السياسي، وأن مشكلتها مع جمال عبدالناصر وحقبته السياسية بشأن ملف اليمن لا تزال قائمة.
إنه تناقض غريب؛ فهو يرى أن إيران كإمبراطورية في طريقها إلى السقوط، ولكنه في الوقت نفسه يبدو كمن يرمي القشة السعودية للحوثيين للنجاة والعودة إلى مشروع الملكية في اليمن، لأن ذلك سيمثل انتصاراً على جمال عبدالناصر.
وحتى لا نغوص أكثر في مقالة عبدالرحمن الراشد، التي يزعم فيها أن إيران تتمسك اليوم بشيء واحد، هو الحفاظ على بعض مكتسباتها، فإن أهم مكسب حققته إيران، من وجهة نظري، هو العلاقة مع الرياض، التي أصبحت فعلياً منذ العاشر من مارس 2023م مركز دفاعٍ متقدماً عن إيران وأذرعها.
ولو كنت ناسياً يا راشد، فأذكرك بمن وقف ضد عملية "حارس الازدهار"، حين كانت الفرصة مواتية للسعودية، الوصية على اليمن منذ نصف قرن، لكي تتخلص من الأذرع الإيرانية. فوجد اليمنيون أنفسهم أمام دولة قصفت اليمن ودمرته وشردت أهله بحجة الحرب على إيران وأذرعها، ثم تدافع وتقاتل دفاعاً عن المشروع الإيراني، وكل ذلك باسم الحرب ضد جمال عبدالناصر. أما الورقة الإسرائيلية فقد أسقطها وزير الدفاع خالد بن سلمان في زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
ما لفت انتباهي في مقالة الراشد حديثه عن أن إيران يمكن أن "تفقد حوثي اليمن". وهذا الفقدان لا يعني الهزيمة وإعادة الشرعية إلى صنعاء، بحسب تبرير ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لحربه التدميرية على الجنوب باسم عاصفة الحزم، بل لأن عبدالملك بدر الدين الحوثي أصبح خليفةً لحميد الدين، وأن ولاية الفقيه الجديدة في اليمن هي في الأساس نسخة أخرى من الإمامة التي هزمها جمال عبدالناصر في ستينيات القرن الماضي، وتحولت اليمن بعدها من الملكية إلى الجمهورية، وإن كانت التدخلات السافرة لاحقاً سبباً في هشاشتها وضعفها وعدم استقرار النظام عبر سلسلة من الانقلابات، كان آخرها الانقلاب على الرئيس عبدربه منصور هادي؛ الأول في صنعاء والثاني في الرياض.
قد يكون بمقدور عبدالرحمن الراشد استيعاب فكرة أنه لم يحصل أن مارست دولة هيمنةً على اليمن كما فعلت السعودية، التي ظلت تهيمن عليه بحجة الانتقام من جمال عبدالناصر حتى الثاني من يناير 2026م، حين سقطت كل المبررات، ولم يعد بالإمكان التفريق بين الإمبراطورية الإيرانية التي يقول إنها تتهاوى، والإمبراطورية السعودية التي تحولت من قوة مستقلة إلى دولة تبحث عن تحالفات مع دول هشة اقتصادياً كإيران وتركيا، دون التفكير أو حتى طرح سؤال حول مشاريع الربط السككي بين أنقرة والرياض: من المستفيد ومن الخاسر؟
ومع يقيني بأن نبوءة الإخواني عبدالمجيد الزنداني بإقامة دولة الخلافة لن تتحقق، إلا أن وجود فكرة سعودية لتبرير التحالفات مع طهران وأنقرة بدعوى الانتقام من جمال عبدالناصر، الذي يرى السعوديون ومنهم الراشد أن مشروعه سقط وأن إمبراطورية إيران في طريقها إلى السقوط، يطرح الكثير من التساؤلات.
بدأت السعودية حربها في مارس 2015م بعد أن اتجه الحوثيون صوب باب المندب وخليج عدن وبحر العرب، بشعارات دينية عن "الشيعة والروافض". لكن هذه الشعارات لم تصمد طويلاً، حتى سقطت في فبراير 2016م باتفاق ظهران الجنوب، الذي بدد كل شيء وكشف لليمنيين والجنوبيين ولدول التحالف الأخرى أن فكرة محاربة إيران ومشروعها كانت في الأساس مقامرة لوزير الدفاع السابق محمد بن سلمان، الذي اعتقد أن الحرب اليمنية ستحقق له طموحاته في الحكم والاقتصاد السياسي والمالي.
لم يعد بوسع إيران المحافظة على معظم ما حققته من توسع، لكن قد تكون طهران محظوظة بتحول السعودية من عدو مفترض إلى حليف، ورأس حربة في التصدي لكل من يقترب من إيران ومشاريعها في المنطقة.
لا أعتقد يا عزيزي الراشد أن إمبراطورية طهران تختلف عن إمبراطورية الرياض؛ فالدولتان بُنيتا على الدعاية والسلاح. ولذلك فإن إقرارك بأن إيران لم تكن نمراً من ورق، بل ثكنة مدججة بالسلاح يحكمها الحرس الثوري، وكانت تستخدم الدين في تلك الحروب على أساس الفتوى، يدفعني إلى عقد مقارنة مع الرياض التي استخدمت جماعات مسلحة، تماماً كما استخدمت إيران عبدالملك بدر الدين الحوثي ومحمد علي الحوثي وأبا علي الحاكم ومهدي المشاط.
فهناك أسماء تشبه الإرهابيين المرتبطين بالمشروع الإيراني في اليمن، من أمثال أسامة بن لادن وسعيد الشهري ويوسف العييري وصالح العوفي وخالد الحاج وعبدالعزيز المقرن وخالد باطرفي وغيرهم. فإذا كانت إيران تستخدم الدين، فإن الحرب السعودية الأخيرة على الجنوب شهدت استخداماً غير مسبوق للدين، وأتحدث هنا عن ستة من شيوخ الدين السعوديين الذين أصدروا فتاوى تجيز قتل المدنيين بدعوى أنهم خارجون عن طاعة ولي الأمر "رشاد العليمي".
لذلك، حين نستدعي هذه المقارنة، فإن ذلك يعني أن التعويل على تحرير صنعاء وهزيمة المشروع الإيراني يصبح موضع تساؤل، خصوصاً في الوقت الذي كانت فيه طهران تقصف دول الخليج من الإمارات إلى الكويت والبحرين وقطر، بينما كان وزير الخارجية السعودي يجري اتصالات بنظيره الإيراني، معبراً عن موقف الرياض من الحرب ضد طهران، على الرغم من أن نيران الأخيرة وصلت إلى العمق السعودي، ودحضت مزاعم ولي العهد محمد بن سلمان حين قال إن حربه على اليمن تهدف إلى قطع يد إيران ونقل المعركة إلى عدن الجنوبية حتى لا تصبح في قلب السعودية.
وللأسف الشديد، دُمرت عدن بحجة حرب لا ناقة للجنوبيين واليمنيين فيها ولا جمل، ومع ذلك لم تحمِ تلك الحرب المدن السعودية والمنشآت الاقتصادية من الاستهداف الإيراني.
وبعد كل هذه الانتكاسات، هل أصبح من الممكن الحديث عن نظام ينسج حول نفسه صورة القوة الإقليمية التي لا تُقهر، راجياً أن يحقق بالأزمات الاقتصادية والمعيشية والعنف والإرهاب والاغتيالات ما لم يحققه بالقوة العسكرية المفرطة التي استخدمها في يناير 2026م؟.. أتحدث هنا عن السعودية، لا عن إيران التي أخرجها الجنوبيون، ، مهزومة في جولات عدة.









