باب المندب موقع استراتيجي يضع الجنوب في قلب المعادلة..تقرير
حدث اليوم/تقرير/رامي الردفاني
كما كشفت التطورات المتسارعة في الساحل الغربي وباب المندب عن حقيقة بات يصعب تجاوزها في المشهد اليمني .. و إضعاف القوات الجنوبية لم يؤدِّ إلى تعزيز الجبهة المناهضة للحوثيين، بل ترك فراغا استراتيجيا سرعان ما بدأت الجماعة في استثماره على الأرض، مستفيدة من حالة التشتت التي أصابت القوى المناهضة لها.
ومع انتقال المعركة إلى المخا وذُباب وجزيرة ميون، عاد الجنوب إلى واجهة الحسابات الإقليمية والدولية، ليس باعتباره طرفا هامشيا في الأزمة اليمنية، وإنما بوصفه قوة تمتلك حضورا عسكريا وأمنيا وجغرافيا لا يمكن تجاهله عند الحديث عن حماية عدن وخليج عدن وباب المندب وخطوط الملاحة الدولية.
وفي هذا السياق، برزت مجددًا حقيقة الموقف الذي يتبناه المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة الرئيس عيدروس الزبيدي، والقائل على أن مواجهة الحوثيين لا يمكن فصلها عن أمن الجنوب ومصالح شعبه، وفي الوقت ذاته لا يمكن أن تتحول القوات الجنوبية إلى قوة يتم استدعاؤها للقتال في جبهات بعيدة، ثم يجري تجاوز القضية الجنوبية عند الحديث عن مستقبل التسوية السياسية.
كما ان التطورات الأخيرة في الساحل الغربي لم تأتِ بمعزل عن حالة التصدع التي أصابت المعسكر المناهض للحوثيين .. فالقوات التي يفترض أن تعمل ضمن منظومة عسكرية واحدة ظلت موزعة بين مراكز قرار متعددة، فيما تعرضت تشكيلات جنوبية ذات خبرة قتالية وأمنية إلى ضغوط عسكرية وسياسية كبيرة سعودية خلال الفترة الماضية.
وتشير القراءة التي أوردتها صحيفة «المونيتور» الأمريكية إلى أن المجلس الانتقالي الجنوبي، رغم ما تعرض له من خسائر وتراجع ميداني خلال المواجهات السابقة، لا يزال يحتفظ بوزن سياسي وعسكري يجعله لاعبًا رئيسيا في الجنوب .
وهذه النتيجة تضعف الرواية التي حاولت تقديم إقصاء القوات الجنوبية باعتباره مدخلًا لإعادة ترتيب المعسكر المناهض للحوثيين؛ إذ أظهرت التطورات اللاحقة أن إضعاف قوات جنوبية منظمة لم ينتج بالضرورة قوة بديلة أكثر تماسكا، وإنما ساهم في تعميق الانقسام داخل الجبهة المناهضة للجماعة.
ومع وصول الحوثيين إلى مواقع استراتيجية على الساحل في المخا، أصبح السؤال أكثر إلحاحا كيف يمكن حماية باب المندب من دون التعامل مع القوات الجنوبية باعتبارها أحد القوات الأساسية للأمن الجغرافي والعسكري في المنطقة؟
من أبرز ما تكشفه التطورات الجديدة أن العلاقة بين المجلس الانتقالي والقوى الإقليمية لم تعد قابلة للإدارة بالصيغة القديمة التي تفصل بين التعاون العسكري والموقف السياسي.
فالقوات الجنوبية التي خاضت خلال السنوات الماضية معارك ضد الحوثيين والتنظيمات الإرهابية، وقدمت تضحيات كبيرة في الدفاع عن عدن ومحافظات الجنوب العربي وتأمين مناطق واسعة، تنظر إلى مستقبل مشاركتها العسكرية من زاوية مختلفة بعد المواجهات التي وقعت مطلع العام.
وبالنسبة إلى المجلس الانتقالي، فإن حماية الجنوب تمثل أولوية لا تقبل المساومة عنده ، بينما تظل المشاركة في عمليات عسكرية خارج الحدود الجنوبية مرتبطة بجملة من الاعتبارات السياسية والعسكرية، وفي مقدمتها طبيعة الهدف، والقيادة، والضمانات، وموقع القضية الجنوبية في أي تسوية مقبلة.
وهنا تتضح إحدى أهم نقاط القوة في الموقف الجنوبي هو الجنوب لا يرفض مواجهة الخطر الحوثي، لكنه يرفض أن تكون هذه المواجهة بوابة لتجاهل حق شعبه في تقرير مصيره أو لإعادة إنتاج ترتيبات سياسية تتعامل مع الجنوب باعتباره مجرد ساحة عسكرية.
كما أعادت التطورات في باب المندب تسليط الضوء على الدور السياسي الذي يحاول الرئيس عيدروس الزبيدي ترسيخه للجنوب، والقائم على الجمع بين حماية الأرض الجنوبية والدفاع عن المصالح الأمنية الإقليمية والدولية المرتبطة بالممرات البحرية.
كما ان الجغرافيا وحدها تفرض هذه المعادلة .. ان عدن وخليج عدن والسواحل الجنوبية تقع في قلب منظومة الملاحة الدولية، وأي اضطراب كبير في باب المندب ستكون له انعكاسات مباشرة على أمن الجنوب واقتصاده وموانئه وحركته التجارية.
ومن هنا، فإن القوات الجنوبية لا تنظر إلى التهديد الحوثي باعتباره ملفًا بعيدا عن الجنوب. لكنها في الوقت نفسه ترى أن مواجهة هذا التهديد يجب أن تكون ضمن ترتيبات واضحة تحفظ للجنوب قراره العسكري والسياسي، بدل تحويل قواته إلى أداة ضمن مشروع لا يعترف بتطلعات شعبه.
ويمنح هذا الموقف المجلس الانتقالي مساحة للتحرك سياسيا، خصوصًا أمام الأطراف الدولية التي تبحث عن قوى محلية قادرة على التعامل مع المخاطر الأمنية في البحر الأحمر وخليج عدن.
"ميون وباب المندب.. إنذار استراتيجي"
إن السيطرة الحوثية على مواقع في باب المندب، وفق ما أوردته المادة، لا تمثل مجرد تغير في خريطة السيطرة داخل اليمن، بل تحمل أبعادا تتجاوز الجغرافيا المحلية .. فباب المندب يمثل أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وأي قوة قادرة على التأثير في أمنه تستطيع أن تمتلك ورقة ضغط تتجاوز حدود اليمن.
ولهذا فإن وصول الحوثيين إلى مواقع متقدمة في هذه المنطقة يضع القوى الإقليمية والدولية أمام استحقاق جديد، خصوصًا أن أمن البحر الأحمر لا يمكن فصله عن أمن عدن والسواحل الجنوبية.
وإذا استمرت حالة التشرذم داخل المعسكر المناهض للحوثيين، فإن الجماعة ستجد أمامها فرصة لتعزيز مواقعها وتحويل مكاسب ميدانية مؤقتة إلى نفوذ مستدام.
وهنا تحديدا تظهر أهمية القوات الجنوبية، التي أثبتت خلال السنوات الماضية قدرتها على القتال في بيئات معقدة، وعلى مواجهة الحوثيين والتنظيمات الإرهابية في الوقت ذاته.
"الحرب السعودية وأثرها على المعادلة"
تأتي هذه التطورات بعد مرحلة اتسمت بعدما اتخذت الوصاية السعودية عداء للقوات الجنوبية، وصولًا إلى المواجهة العسكرية التي شهدها الجنوب مطلع العام.
وقد تركت تلك المواجهة أثرا عميقًا في العلاقة بين الطرفين، ليس فقط على المستوى السياسي، وإنما كذلك على مستوى الثقة العسكرية.
فبعدما كانت القوات الجنوبية جزء من منظومة المواجهة ضد الحوثيين، أصبحت العلاقة معها أكثر تعقيدا، في وقت احتاجت فيه الجبهة المناهضة للحوثيين إلى مزيد من التماسك لا إلى مزيد من الانقسام.
وتكشف التطورات في الساحل الغربي أن نتائج أي قرار عسكري لا تتوقف عند حدود المعركة التي اتُخذ فيها القرار، بل قد تمتد إلى جبهات أخرى، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقوى محلية تمتلك حضورًا عسكريا حقيقيا.
ومن هذه الزاوية، فإن إضعاف القوات الجنوبية لم يكن قضية جنوبية منفصلة عن بقية الجبهات، بل انعكس بصورة غير مباشرة على قدرة المعسكر المناهض للحوثيين على مواجهة التهديدات المتصاعدة.
لم يعد من السهل مطالبة الجنوب بالمشاركة العسكرية في مواجهة الحوثيين دون تقديم إجابات سياسية واضحة بشأن مستقبل الجنوب.
فالمجلس الانتقالي، وفق المواقف التي تنقلها الوقائع انه، من يبدي استعدادا للتعاون مع القوى الإقليمية والدولية عندما يتعلق الأمر بحماية الجنوب ومواجهة المخاطر التي تهدد الملاحة والأمن البحري، لكنه لا يبدو مستعدًا للعودة إلى صيغة المشاركة غير المشروطة في حرب لا تتضح أهدافها السياسية بالنسبة إلى القضية الجنوبية ،، وهذا التحول لا يعني بالضرورة انسحاب الجنوب من مواجهة الحوثيين، وإنما يعني أن قواعد المشاركة تغيرت.
فإذا كان التهديد يستهدف عدن أو لحج أو الضالع أو أي منطقة جنوبية، فإن الأولوية ستكون للدفاع عن الأرض، وهو أمر لا يحتاج إلى كثير من النقاش.
أما نقل القوات الجنوبية إلى معارك بعيدة عن حدود الجنوب، تحت قيادة وترتيبات سياسية لا تضمن مستقبل القضية الجنوبية، فهو ملف مختلف تمامًا، وسيظل محل حسابات سياسية وعسكرية دقيقة.
الحوثيون يستفيدون من الانقسام
في المقابل، تبدو جماعة الحوثيين المستفيد الأبرز من استمرار التباعد بين القوى المناهضة لها ، فكل خلاف داخل خصومها يمنحها مساحة إضافية للمناورة، وكل تشكيل عسكري يتم إضعافه يخفف الضغط عنها، وكل تأخير في توحيد القرار العسكري يسمح لها بإعادة تنظيم صفوفها وتثبيت مواقعها.
كما ، إن بقاء الجنوب خارج ترتيبات المواجهة الشاملة لا يمثل مكسبًا للحوثيين بالضرورة، لكنه قد يتحول إلى مكسب لهم إذا أدى إلى استمرار الفراغ والتشرذم.
وفي الوقت نفسه، فإن فتح جبهة مباشرة مع الجنوب قد يكون مكلفا بالنسبة للجماعة، بالنظر إلى طبيعة البيئة الجنوبية والتجربة السابقة للقوات الجنوبية في مواجهة الحوثيين.
ولهذا قد تفضل الجماعة في هذه المرحلة تثبيت مكاسبها، وتعميق الخلافات بين خصومها، واستخدام التقدم العسكري كورقة ضغط سياسية.
القوات الجنوبية.. قوة لا يمكن تجاوزها
تثبت التطورات المتلاحقة أن أي مشروع لإعادة ترتيب المشهد العسكري في اليمن يتجاهل القوات الجنوبية سيكون ناقصًا من الناحية العملية.
فالقوات الجنوبية ليست مجرد تشكيلات ظهرت في سياق الحرب الحالية، وإنما تمتلك تجربة ميدانية متراكمة في مكافحة الحوثيين والتنظيمات الإرهابية وحماية المدن والمنشآت والممرات الساحلية.
كما أن موقع الجنوب الجغرافي يجعل قواته طرفًا طبيعيًا في أي ترتيبات تتعلق بأمن باب المندب وخليج عدن والسواحل الجنوبية.
ومن هنا، فإن التعامل مع هذه القوات باعتبارها مشكلة سياسية فقط، بدل النظر إليها باعتبارها جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي، قد يقود إلى نتائج عكسية.
والأكثر واقعية هو بناء ترتيبات تستفيد من قدراتها، بالتوازي مع معالجة القضية السياسية التي يمثلها المجلس الانتقالي.
أي عودة للتعاون العسكري بين الجنوب والقوى الإقليمية والدولية تحتاج إلى قواعد جديدة أكثر وضوحًا من السابق وفي مقدمة هذه القواعد تحديد الأهداف العسكرية بدقة، وتوحيد آليات التنسيق، وضمان عدم استخدام القوة ضد القوات الجنوبية من قبل أطراف يفترض أنها تعمل معها، إلى جانب وجود مسار سياسي واضح يوازي التعاون العسكري.
كما أن حماية باب المندب يجب ألا تتحول إلى ذريعة لتجميد القضية الجنوبية أو تأجيلها إلى أجل غير مسمى ، فالجنوب، وفق رؤية المجلس الانتقالي، لا يطلب التعامل معه باعتباره قوة عسكرية فحسب، وإنما باعتباره صاحب قضية سياسية لها جذورها وحقوقها وتطلعاتها وهذه النقطة تحديدًا ستكون حاسمة في تحديد شكل المرحلة المقبلة.
تضع التطورات الحالية الرئيس عيدروس الزبيدي والمجلس الانتقالي والقوات الجنوبية أمام اختبار سياسي وعسكري بالغ الأهمية فمن جهة، لا يستطيع الجنوب تجاهل أي تهديد يقترب من حدوده أو يمس أمن عدن والممرات البحرية المحيطة به ومن جهة أخرى، فإن الدخول في حرب مفتوحة خارج نطاق المصالح الجنوبية، من دون ضمانات سياسية، قد يعيد إنتاج الظروف التي أدت إلى الصدامات السابقة.
وبين الخيارين، تبدو الحاجة ملحة إلى صيغة جنوبية واضحة تقوم على حماية الأرض، وتعزيز القدرات الدفاعية، والتعامل مع المجتمع الدولي باعتبار الجنوب شريكًا أمنيًا وسياسيًا، لا مجرد قوة مقاتلة يتم استدعاؤها عند الحاجة.
كما، كشفت أحداث الساحل الغربي أن معادلة اليمن لا يمكن اختزالها في طرفين متصارعين، وأن الجنوب يظل رقما صعبا في أي حسابات عسكرية تتعلق بالبحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن.
كما أظهرت التطورات أن إضعاف القوات الجنوبية لم يؤدِّ تلقائيًا إلى إنهاء الخطر الحوثي، بل إن اتساع رقعة التهديد أعاد التأكيد على الحاجة إلى قوة جنوبية قادرة على حماية مناطقها ومصالحها.
ومن هنا، فإن الرسالة التي تفرض نفسها على القوى الإقليمية والدولية تبدو واضحة لا يمكن حماية باب المندب عبر استبعاد الجنوب، ولا يمكن بناء تحالف مستدام ضد الحوثيين من دون معالجة جذور الخلاف مع القوات الجنوبية وقضية شعب الجنوب.
وبالنسبة إلى المجلس الانتقالي بقيادة الرئيس عيدروس الزبيدي، فإن المرحلة المقبلة قد تكون فرصة لإعادة تثبيت الجنوب كطرف سياسي وعسكري لا يمكن تجاوزه، شريطة الحفاظ على ثوابته، وفي مقدمتها حماية الأرض الجنوبية والدفاع عن شعبها، وربط أي تعاون إقليمي أو دولي بمصالح الجنوب وحقوقه السياسية.
فالمعادلة الجديدة لا تقول إن الجنوب يهرب من مواجهة الحوثيين، وإنما تقول إن الجنوب يريد أن يخوض معاركه وفق قراره، وبما يخدم أمنه وقضيته، لا أن يكون مجرد وقود لحرب الآخرين









