30 نوفمبر ذاكرة ثورية توقظ الوعي الجنوبي في طريقه نحو الاستقلال الثاني واستعادة الدولة

30 نوفمبر ذاكرة ثورية توقظ الوعي الجنوبي في طريقه نحو الاستقلال الثاني واستعادة الدولة

حدث اليوم/مقال/فهد حنش ابو ماجد

في كل عام يطل علينا الثلاثون من نوفمبر محملاً بعبق التاريخ ووهج الثورة مستحضراً ذلك اليوم الخالد من عام 1967م حين أعلن الجنوب استقلاله الوطني الأول، وطوى صفحة استعمار دام أكثر من 129 عاماً.

 لم يكن الاستقلال حدثاً سياسياً عابراً بقدر ما كان ميلاداً لوعي جديد، وصياغة لمرحلة أسست لدولة النظام والقانون، وبنت دعائم المؤسسات الحديثة، ورسمت الملامح لمستقبل وأراده الشعب لحياة يسودها العدل والأزدهار. 

لقد استطاع الجنوبيون بتجربتهم الفريدة أن يخلقوا نموذجاً لدولة حديثة تسود فيها المساواة، وتُصان فيها الحقوق، وتُرسخ فيها المواطنة، وتبني فيها المؤسسات على قاعدة الكفاءة لا على مبدأ الولاء، ومن رحم تلك المرحلة، توسع التعليم وانتشر في كل قرية ومدينة، واستؤصلت جذور الأمية التي كانت تنهش المجتمع، فغدا المواطن الجنوبي المتعلم هو الثروة الحقيقية ومفتاح النهضة.

كما شهد الجنوب خلال الحقبة نفسها قيام دولة تحتكم للقانون، وتدير شؤونها عبر المؤسسات، وتوفر للمواطن خدمات لا يُنكر أثرها إلا جاحد من صحة وتعليم وأمن، وتوفير الوظيفة لكافة الشباب والقضاء على البطالة، الأمر الذي جعل تلك السنوات مرجعاً تاريخياً راسخاً في ذاكرة أبناء الجنوب حتى اليوم، ويمثل ركناً أصيلاً في الذاكرة الوطنية.

غير أن المتغيرات السياسية التي مرّت على الجنوب لاحقاً، وما رافقها من استقطابات سياسية حادة وتفريخ للأحزاب والمكونات، أحدثت شرخاً في النسيج الاجتماعي، وفتحت ثغرات تسلل عبرها مشروع التمزيق والفوضى، ليطال وحدة الأرض وحقوق الشعب وثروته السيادية. وهنا تبرز أهمية قراءة التاريخ لا لترديد أمجاده، بل لاستخلاص العبر منه والحفاظ على الإرث الوطني الذي تحقق بالدم والنضال والصبر.

إن الجنوب اليوم أمام مرحلة دقيقة تتطلب ثورة وعي سياسي، تبدأ بتوحيد الصف الجنوبي وتغليب المصلحة الوطنية العليا. ولا سبيل لتحقيق ذلك إلا عبر حوار جنوبي جنوبي صادق ومسؤول، يجمع كافة المكونات السياسية والمجتمعية، ويعيد تشكيل الجبهة الداخلية على أسس قوية متينة. فالاصطفاف الجنوبي الصادق هو السد الحصين القادر على تحطيم كل المؤامرات التي تتربص بالشعب وتهدد سيادته وثرواته ومستقبل أجياله.

 أن استحضار الجنوبيون اليوم لذكرى الاستقلال المجيد ليست مجرد احتفال بذكرى بل استحضار لقيم تلك المرحلة وروحها الوطنية، وتأكيداً متجدداً أن مشروع الدولة العادلة، دولة المؤسسات والقانون، لا يزال هو طريقهم الوحيد، وأن وحدة الصف هي الضمانة لبناء جنوبٍ قوي، مستقل، مزدهر، قادر على حماية أرضه وصون حقوقه وانتزاع المكانه التي يستحقها على خارطة المستقبل.