تسييس العدالة في النزاعات السياسية: لا عدالة بلا إجراءات قانونية عادلة، ولا محاسبة خارج إطار قضاء مستقل

تسييس العدالة في النزاعات السياسية: لا عدالة بلا إجراءات قانونية عادلة، ولا محاسبة خارج إطار قضاء مستقل

حدث اليوم/بقلم/فهد حنش ابو ماجد 

في النزاعات السياسية غالباً ما تتحول فيها المفاهيم النبيلة مثل العدالة، ومكافحة الفساد، وسيادة القانون إلى أدوات تُستخدم بانتقائية. لا لحماية الحقوق بل لإقصاء الخصوم وتصفية الحسابات. وهذا الخطر لا يهدد أطراف الصراع فحسب بل يضرب في صميم أي أمل لبناء سلام مستدام أو دولة قائمة على القانون.

إن المبدأ الأساسي الذي لا خلاف عليه في القانون الدولي ومواثيق حقوق الإنسان هو أن كل من تورّط في الفساد أو ارتكب جرائم جسيمة يجب أن يخضع للمساءلة دون استثناء أو حصانة. غير أن هذا المبدأ يفقد قيمته بالكامل عندما يُطبَّق بانتقائية، أو حين يُستَخدم كسلاح سياسي موجّه ضد طرف بعينه بينما تُغضّ الأبصار عن شبكات فساد أوسع وأكثر رسوخاً.

أن ما نشهده اليوم من حملات تشويه وتحريض إعلامي منظم ضد قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي يثير تساؤلات مشروعة حول طبيعة هذه الاتهامات وأهدافها، فبدل أن تُطرح الأدلة أمام مؤسسات قضائية مستقلة، يجري تسويق الاتهام عبر الإعلام في انتهاك صريح لمبدأ قرينة البراءة التي هي أحد أعمدة العدالة المعترف بها دولياً.

إن القانون الدولي لحقوق الإنسان واضح في هذا الشأن حيث اوضح أن

لا عدالة بلا إجراءات قانونية عادلة، ولا محاسبة خارج إطار قضاء مستقل، ولا شرعية لأي اتهام لا يستند إلى تحقيق مهني محايد.

ومن هذا المنطلق، فإن الادعاء بمحاربة الفساد يظل مجرد شعار أجوف ما لم يُقترن بخطوة عملية وجريئة تتمثل في تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة تُمنح صلاحيات كاملة للوصول إلى جميع ملفات الفساد والانتهاكات، دون انتقائية أو استهداف سياسي.

 فالمساءلة الحقيقية لا تبدأ من الأشخاص بل من المنظومات.

لقد كشفت تقارير ووقائع متداولة عن عمليات استغلال غير مشروع للثروات الطبيعية بما في ذلك حقول ومصافي نفط في مناطق مثل صحراء ووادي حضرموت تُدار خارج إطار الدولة، وتعود عائداتها إلى شبكات نفوذ بينما يعاني السكان من تدهور الخدمات وغياب أبسط مقومات العيش الكريم.

إن تجاهل هذه الملفات مقابل التركيز على طرف سياسي واحد يطرح تساؤلاً أخلاقياً وقانونياً لا يمكن القفز عليه.

إن استخدام العدالة كأداة انتقام سياسي لا يؤدي إلى الاستقرار بل يفاقم الانقسامات ويقوّض الثقة بأي مسار سياسي قادم. وتجارب النزاعات حول العالم تثبت أن السلام القائم على الإقصاء والتجريم الانتقائي سلام هشّ، وسرعان ما ينهار عند أول اختبار.

كما أن محاولة شيطنة القيادات السياسية أو تشويهها إعلامياً لن تُنهي القضايا التي تمثلها، فالقضايا السياسية العادلة لا تُقاس ببقاء أو غياب أشخاص بل بمدى تجذرها في وعي الشعوب، والتاريخ الحديث حافل بأمثلة شعوب حاولت أنظمة قمعها أو تشويه قادتها لكنها لم تنجح في إطفاء مطالبها المشروعة.

إن الطريق الوحيد نحو حل سياسي عادل ومستدام يمر عبر:

احترام سيادة القانون، وضمان محاكمات عادلة ومستقلة، ونبذ العدالة الانتقائية، والاعتراف بأن إرادة الشعوب لا يمكن إسكاتها بالتهم ولا كسرها بالحملات الإعلامية. 

أما غير ذلك، فليس سوى إعادة إنتاج للأزمة بلغة قانونية زائفة تُخفي في جوهرها صراع نفوذ لا علاقة له بالعدالة ولا بحقوق الإنسان.