خمسة وخمسون عامًا والراية لا تنحني.. جيش الجنوب ذاكرة وطنٍ لا تموت وهيبةٌ تصنعها التضحيات

خمسة وخمسون عامًا والراية لا تنحني.. جيش الجنوب ذاكرة وطنٍ لا تموت وهيبةٌ تصنعها التضحيات

كتب/فاطمة اليزيدي:

في الأول من سبتمبر، لا يمرّ التاريخ على أبناء الجنوب مرورًا عابرًا، ولا تأتي الذكرى كموعدٍ احتفالي ينتهي بانتهاء المهرجان، بل يعود هذا اليوم كل عام محمّلًا بذاكرة وطنية وعسكرية ثقيلة، وبحكاية مؤسسةٍ ارتبط اسمها في الوجدان الجنوبي بمعاني الانضباط، والتضحية، والواجب، وحماية الأرض والإنسان. وفي عام 2026، يقف أبناء الجنوب أمام الذكرى الخامسة والخمسين لعيد القوات المسلحة الجنوبية، مستعيدين صفحةً بارزة من تاريخ المؤسسة العسكرية التي شكّل الأول من سبتمبر عام 1971 محطةً مفصلية في مسيرتها الحديثة، مع افتتاح الكلية العسكرية في صلاح الدين بعدن وتخريج أول دفعة منها. وتشير المصادر التاريخية والمحلية إلى أن جذور التشكيلات العسكرية في الجنوب أقدم من هذا التاريخ، وأن الأول من سبتمبر مثّل تدشين مرحلة جديدة من بناء المؤسسة العسكرية على أسس أكثر تنظيمًا وتأهيلًا.

إنها ذكرى لا تحتفي بالسلاح لذاته، ولا تمجّد الحرب من أجل الحرب، وإنما تستحضر قيمة المؤسسة العسكرية حين تكون عنوانًا للانضباط والواجب، ومدرسةً في التضحية، وحارسًا للأرض، وسندًا للمجتمع في أحلك الظروف. ولهذا فإن الحديث عن القوات المسلحة الجنوبية هو حديث عن أجيالٍ تعاقبت على ميادين التدريب، وعن ضباطٍ وجنودٍ حملوا مسؤولية الدفاع في مراحل تاريخية شديدة التعقيد، وعن مؤسسةٍ شهدت تحولاتٍ كبرى، ومرت بانتصارات وانكسارات وصراعات، لكنها بقيت حاضرة في الذاكرة الجنوبية بوصفها إحدى أهم مؤسسات الدولة الجنوبية الحديثة.

ومن صلاح الدين بدأت صفحة جديدة في بناء جيشٍ يعتمد على التعليم العسكري والتأهيل الأكاديمي والانضباط المؤسسي. لم يعد إعداد المقاتل قائمًا على الشجاعة وحدها، بل أصبح العلم العسكري والتخصص والتدريب جزءًا أساسيًا من صناعة الضابط والجندي. وتذكر مصادر تاريخية أن المؤسسة العسكرية الجنوبية تطورت لاحقًا لتضم تشكيلات برية وبحرية وجوية، إلى جانب الكليات والمدارس والمعاهد العسكرية المتخصصة، وهو ما يعكس حجم الجهد الذي بذل في بناء مؤسسة عسكرية متكاملة في دولة الجنوب آنذاك.

وهنا تكمن أهمية الأول من سبتمبر؛ فهو ليس مجرد رقمٍ في روزنامة المناسبات، وإنما رمزٌ لمرحلةٍ أراد فيها الجنوب أن يبني مؤسسته العسكرية بعقل الدولة، وأن يحول الخبرة القتالية المتراكمة إلى منظومةٍ من التدريب والتأهيل والقيادة والسيطرة. ولذلك بقيت الكلية العسكرية في صلاح الدين حاضرة في الذاكرة باعتبارها مصنعًا للكوادر العسكرية، ومكانًا خرجت منه أجيالٌ حملت مسؤوليات الدفاع والقيادة في مراحل مختلفة من تاريخ الجنوب.

ولم تكن مسيرة القوات المسلحة الجنوبية مسيرةً مفروشة بالهدوء؛ فقد كانت الجغرافيا الجنوبية، الممتدة من المهرة شرقًا إلى باب المندب غربًا، تفرض تحدياتها، وكانت الحدود والممرات البحرية والجزر والمواقع الاستراتيجية تحتاج إلى مؤسسةٍ قادرة على التعامل مع ظروفٍ أمنية وعسكرية متغيرة. ولهذا ارتبط تاريخ القوات المسلحة بسلسلة طويلة من المهام الدفاعية والتحديات العسكرية، وبعمليات بناء مستمرة للجاهزية والتدريب والتسليح.

لقد أثبتت التجربة أن الجيش لا يُبنى بالخطابات، وإنما بالعقيدة والانضباط والتأهيل ووحدة القرار وكفاءة القيادة. وهذه هي الدروس التي تجعل استحضار التاريخ أكثر من مجرد استعراض للماضي؛ فالأمم التي تعرف كيف تقرأ تاريخ مؤسساتها تستطيع أن تبني حاضرها بصورة أكثر ثباتًا، بينما الأمم التي تتعامل مع تاريخها باعتباره عبئًا سرعان ما تفقد البوصلة.

وفي الذاكرة الجنوبية ملاحم كثيرة ارتبطت بالقوات المسلحة، ليس لأنها كانت معارك فحسب، وإنما لأنها صنعت لدى أجيال كاملة مفهومًا خاصًا عن معنى الواجب العسكري. كان الجندي يعرف أن الزي العسكري ليس امتيازًا، وأن الرتبة ليست وجاهة، وأن السلاح ليس غاية، وإنما مسؤولية ثقيلة لا يحملها إلا من يعرف معنى الأرض التي يقف عليها. ومن هنا جاءت قيمة المؤسسة العسكرية في الوعي الشعبي: من يحرس الوطن لا يملك رفاهية العبث، ومن يحمل أمانة الناس لا يجوز أن يجعلها وسيلةً لمصلحة شخصية.

ولذلك فإن أعظم ما يمكن استعادته من تاريخ الجيش الجنوبي ليس عدد الألوية ولا حجم المعدات ولا أسماء الأسلحة، بل ذلك المعنى العميق الذي يجعل المؤسسة العسكرية مؤسسةً وطنية قبل أن تكون تشكيلًا قتاليًا. فالجيش القوي هو الذي يستمد قوته من مؤسسات الدولة، ومن التدريب، ومن القانون، ومن ثقة المجتمع، ومن قدرته على حماية الناس دون أن يتحول إلى طرفٍ في صراعات المجتمع.

وحين يذكر أبناء الجنوب اليوم نجاحات القوات الجنوبية في مواجهة التنظيمات الإرهابية والجماعات المسلحة، فإنهم يستحضرون مرحلة مختلفة من التاريخ، مرحلة أعادت فيها القوات المحلية والأجهزة الأمنية والعسكرية الجنوبية فرض حضورها على الأرض في مواجهة أخطارٍ حقيقية هددت المدن والطرق والمجتمعات. وقد شهد الجنوب خلال السنوات الماضية عمليات عسكرية وأمنية ضد تنظيمات إرهابية، إلى جانب مواجهات مع جماعة الحوثيين، في سياق حربٍ واسعة ومعقدة شهدتها البلاد منذ عام 2015.

وهنا لا ينبغي أن تُقرأ تلك المواجهات باعتبارها مجرد صفحات عسكرية، بل باعتبارها اختبارًا جديدًا لقدرة أبناء الجنوب على بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع تهديدات العصر. فالإرهاب لا يُهزم بالشعارات، وإنما بالعمل المؤسسي، والاستخبارات، والانضباط، وحماية المجتمع، وتجفيف مصادر الخطر، والتنسيق الأمني والعسكري، واحترام القانون وحقوق المدنيين.

كما أن مواجهة الحوثيين كشفت مرة أخرى أن الجغرافيا الجنوبية ليست هامشًا في معادلة المنطقة، وأن موقع الجنوب الاستراتيجي يجعل أمنه جزءًا من أمن الإقليم والممرات البحرية والتجارة الدولية. ولهذا فإن أي مؤسسة عسكرية جنوبية حديثة لا يمكن أن تكتفي بعقلية الماضي، بل تحتاج إلى الجمع بين إرث الخبرة العسكرية وبين متطلبات الحاضر، من التكنولوجيا والاتصالات والاستخبارات والتدريب المتخصص إلى حماية الحدود والمياه الإقليمية والمنشآت الحيوية.

إن الاحتشاد الشعبي في ذكرى الجيش، أيا كان حجمه ومكانه، يجب أن يحمل رسالة أعمق من الاحتفال؛ رسالة تقول إن شعبًا يمتلك ذاكرة عسكرية بهذا العمق لا يريد أن يعيش بلا مؤسسات، ولا يريد أن تكون القوة بديلًا عن الدولة، ولا يريد أن تتحول التضحيات إلى مجرد صورٍ معلقة على جدران المناسبات. إنما يريد مؤسسةً عسكرية مهنية، قوية، منضبطة، تحمي المجتمع وتحترم القانون، وتحمل إرث من سبقها وتتعلم في الوقت نفسه من أخطاء الماضي.

وإذا كانت السنوات الماضية قد أثبتت أن الجنوب قادر على تقديم الرجال في أصعب الظروف، فإن التحدي الأكبر اليوم هو أن يتحول هذا الرصيد البشري والتضحيات المتراكمة إلى بناءٍ مؤسسي مستدام. فالقوة الحقيقية ليست في كثرة البنادق، وإنما في وجود مؤسسةٍ تعرف لماذا تحمل السلاح، ومتى تستخدمه، وتحت أي قانون، ولأي غاية. وهذه هي الفاصلة بين القوة العشوائية والقوة العسكرية التي تستحق احترام شعبها.

إن ذكرى الجيش الجنوبي تعود هذا العام حاملةً معها سؤالًا كبيرًا: ماذا نريد من هذه الذاكرة؟ هل نريد أن نبقى أسرى للماضي ونكرر أسماء المعارك والبطولات، أم نريد أن نجعل من الماضي مدرسةً لبناء المستقبل؟ الإجابة التي تليق بتضحيات الأجيال هي أن يتحول التاريخ إلى مسؤولية، وأن تتحول الذكرى إلى مشروع، وأن يتحول احترام الشهداء والجنود والضباط إلى عملٍ جاد لبناء مؤسسةٍ أكثر احترافًا وانضباطًا وقدرةً على حماية الإنسان والأرض.

خمسة وخمسون عامًا ليست زمنًا قليلًا في عمر مؤسسة عسكرية. إنها عقود من التدريب، والتجارب، والتضحيات، والانتصارات، والانكسارات، والتحولات. وهي كافية لكي يدرك أبناء الجنوب أن الجيوش لا تبقى قوية بالحنين إلى أمجادها، وإنما تبقى قوية حين تتجدد، وتتعلم، وتطور عقيدتها، وتؤهل أفرادها، وتحترم مؤسساتها، وتضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

وفي هذه الذكرى، يستحق كل جنديٍ وقف في موقعه، وكل ضابطٍ أدى واجبه، وكل شهيدٍ قضى دفاعًا عن أهله ومجتمعه، أن يُذكر بما يليق بالتضحية. لكن الوفاء الحقيقي لا يكون بالكلمات وحدها؛ الوفاء أن نحمي معنى المؤسسة، وأن نصون شرف الزي العسكري، وأن نرفض تحويل الجيش إلى أداةٍ للصراع الشخصي أو المناطقي، وأن نجعل الكفاءة والانضباط والقانون أساسًا لكل بناء عسكري قادم.

إن الجنوب الذي يمتد في ذاكرته وجغرافيته من المهرة إلى باب المندب، والذي عرف من تاريخ القوات المسلحة صفحاتٍ من التأسيس والتدريب والقتال والتضحيات، يستحق مؤسسةً عسكرية تنظر إلى المستقبل بعينٍ مفتوحة، وتحمل من الماضي ما فيه من دروس، لا ما فيه من أخطاء. مؤسسةٌ لا تُبنى على ردود الأفعال، وإنما على العلم والخبرة والتخطيط. مؤسسةٌ يكون فيها الجندي عنوانًا للانضباط، والضابط عنوانًا للمسؤولية، والقيادة عنوانًا للحكمة.

وفي الأول من سبتمبر، حين تُرفع الرايات وتُستعاد الذكريات، يجب أن يكون صوت التاريخ واضحًا: لقد مضت أجيال، وتبدلت أنظمة، وتغيرت خرائط، وخاض الجنوب حروبًا وأزماتٍ قاسية، لكن قيمة المؤسسة العسكرية لا تسقط بتقلبات السياسة، لأن الدولة تحتاج إلى جيشٍ مهني كما يحتاج الجيش إلى دولةٍ ومؤسساتٍ وقانون.

هذه ليست ذكرى يومٍ واحد، بل ذاكرة خمسة وخمسين عامًا من مسيرة عسكرية طويلة. وليست مناسبةً للوقوف عند الماضي فقط، بل لحظةٌ لاستعادة معنى المسؤولية، وتجديد العهد بأن تكون القوة في خدمة الإنسان، وأن يكون السلاح تحت راية القانون، وأن تكون المؤسسة العسكرية حصنًا للمجتمع لا سببًا لانقسامه.

وسيظل الأول من سبتمبر حاضرًا في الذاكرة الجنوبية؛ يومًا تستعيد فيه الأجيال قصة مؤسسةٍ ولدت في مرحلةٍ تاريخية فارقة، ونمت عبر عقودٍ من التدريب والتجربة، وواجهت عواصف السياسة والحرب، ثم عادت إلى واجهة المشهد في زمنٍ شديد التعقيد. وستبقى قيمة هذه الذكرى في قدرتها على جمع الأجيال حول درسٍ واحد: أن الأوطان لا يحميها الصخب، وإنما يحميها الرجال والمؤسسات والقانون والوعي.

فليكن عيد القوات المسلحة الجنوبية مناسبةً لاستعادة هيبة الانضباط، وشرف الواجب، وقدسية الدم الذي أُريق في سبيل حماية الناس والأرض، وليكن صوتها الأعلى هو صوت المؤسسة، لا صوت الفوضى، وصوت المسؤولية، لا صوت الانتقام، وصوت المستقبل، لا مجرد صدى الماضي.

خمسة وخمسون عامًا مضت، والراية التي حملها الرجال لا ينبغي أن تكون مجرد ذكرى في الصور؛ بل أمانةً في أعناق الأجيال. ومن عرف قيمة تاريخه لا يكرر أخطاءه، ومن احترم تضحيات رجاله لا يبدد ثمارها. وسيبقى المجد الحقيقي لأي جيش في قدرته على حماية شعبه، وصون كرامته، والوقوف بثبات حين تهتز الأرض من حوله، وأن يثبت أن أقوى بندقية هي تلك التي يحملها رجلٌ يعرف معنى المسؤولية، وأقوى جيش هو ذلك الذي يستمد هيبته من مؤسسته، وأعظم انتصار هو أن يبقى الوطن آمنًا، والإنسان مصانًا، والقانون فوق الجميع.

وفي ذكرى الجيش الجنوبي، لا نحتفل بالماضي كي نسكن فيه، بل نستحضره كي نبني مستقبلًا يليق به؛ مستقبلًا تكون فيه المؤسسة العسكرية عنوانًا للقوة المنضبطة، والاحتراف، والوحدة، والكرامة، وحماية الأرض والإنسان. تلك هي الرسالة التي يجب أن تبقى بعد أن تخفت أصوات الاحتفالات: أن التاريخ لا يطلب منا التصفيق له، بل يطلب منا أن نكون على قدر أمانته.