الإخوان والجنوب.. من إرث صالح إلى مشروع الإصلاح: تاريخ من الصراع والفتاوى ومحاولات إخضاع الإرادة الجنوبية
لم تكن العلاقة بين الجنوب العربي وحزب التجمع اليمني للإصلاح، المرتبط بجماعة الإخوان المسلمين في اليمن، مجرد خلاف سياسي عابر أو اختلاف في الرؤى بشأن مستقبل الدولة، بل تحولت عبر محطات تاريخية عديدة إلى واحدة من أكثر القضايا تعقيداً وإثارة للجدل في المشهد اليمني. فمنذ مرحلة ما قبل الوحدة اليمنية، مروراً بإعلان الوحدة عام 1990، وصولاً إلى حرب صيف 1994 وما أعقبها من تحولات سياسية وعسكرية، ظل الجنوب حاضراً في قلب صراع المصالح والنفوذ، وسط اتهامات متكررة لقوى سياسية وعسكرية شمالية بالسعي إلى إخضاع إرادته وتهميش قضيته الوطنية.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز حزب الإصلاح بوصفه أحد أبرز الفاعلين السياسيين الذين ارتبط اسمهم، في الخطاب الجنوبي، بمحطات الصراع على السلطة والثروة والهوية، خصوصاً في أعقاب حرب 1994، التي تركت آثاراً عميقة في الذاكرة السياسية والاجتماعية الجنوبية، وأسهمت في تراكم حالة واسعة من المظلومية والاحتقان.
من تحالفات السلطة إلى تأسيس حزب الإصلاح
لفهم جذور الصراع، لا بد من العودة إلى مرحلة ما قبل تأسيس حزب التجمع اليمني للإصلاح عام 1990، حين كانت الحركة الإسلامية اليمنية تتشكل في سياق سياسي معقد، وتنسج علاقاتها مع مراكز النفوذ والسلطة في عهد الرئيس السابق علي عبدالله صالح.
وقد تأسس حزب الإصلاح في سبتمبر 1990، في مرحلة التحولات السياسية التي أعقبت الوحدة اليمنية وإقرار التعددية الحزبية. وضم الحزب شخصيات سياسية وقبلية ودينية متعددة، من بينها قيادات ذات خلفيات إخوانية، إلى جانب الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر وشخصيات أخرى لعبت دوراً بارزاً في الحياة السياسية اليمنية.
وتشير قراءة تلك المرحلة إلى أن العلاقة بين السلطة والحركة الإسلامية لم تكن مجرد علاقة تنافس أو خصومة، بل شهدت أشكالاً من التقارب والتحالف السياسي، خصوصاً في مواجهة خصوم مشتركين. وقد اتهمت أطراف جنوبية الرئيس صالح باستخدام التحالفات السياسية والدينية والعسكرية لتعزيز نفوذ نظامه، وتوظيفها في إدارة الصراع على السلطة بعد الوحدة.
غير أن اختزال تأسيس حزب الإصلاح في كونه مجرد أداة أنشأها صالح للتآمر على الجنوب يحتاج إلى قراءة تاريخية دقيقة؛ فالحزب تأسس ضمن تحالفات سياسية متعددة، ثم تطورت علاقته بالرئيس السابق من التقارب إلى التنافس والصراع في مراحل لاحقة. ومع ذلك، فإن هذه التحالفات وما ترتب عليها من مواقف سياسية وعسكرية ظلت موضع انتقاد واسع في الخطاب الجنوبي.
حرب 1994.. المحطة الأكثر إيلاماً في الذاكرة الجنوبية
شكّلت حرب صيف 1994 نقطة تحول مفصلية في العلاقة بين الشمال والجنوب، إذ انتهت بانتصار القوات الموالية للرئيس علي عبدالله صالح وحلفائه على القوات الجنوبية، وبسط السيطرة العسكرية على الجنوب.
وفي تلك الحرب، تصاعدت الاتهامات الموجهة إلى القوى الإسلامية المتحالفة مع نظام صالح، وفي مقدمتها شخصيات وقيادات مرتبطة بحزب الإصلاح، بالمشاركة في التعبئة السياسية والدينية التي رافقت المواجهة.
وتذهب روايات جنوبية إلى أن الحرب لم تكن مجرد صراع عسكري على السلطة، بل كانت محاولة لإجهاض مشروع الشراكة السياسية الذي قامت عليه الوحدة، وإعادة إخضاع الجنوب بالقوة بعد تعثر التفاهمات بين الطرفين.
وقد استندت هذه الروايات إلى ما رافق الحرب من خطاب ديني وسياسي حاد، وإلى الفتاوى التي أثارت جدلاً واسعاً بشأن شرعية القتال ضد الطرف الجنوبي. وتظل تلك الفتاوى، وما ارتبط بها من توظيف للدين في الصراع السياسي، واحدة من أكثر الملفات حساسية في الذاكرة الجنوبية.
فحين يتحول الخطاب الديني إلى وسيلة لتبرير الحرب، تصبح الخلافات السياسية أكثر خطورة، ويغدو المجتمع أمام تحدٍ كبير يتمثل في حماية الدين من التوظيف السياسي، وصون حرمة الدماء من الحسابات الحزبية.
الفتاوى الدينية.. حين يصبح الدين جزءاً من الصراع السياسي
لم يكن الجدل حول الفتاوى التي رافقت حرب 1994 مجرد نقاش فقهي محدود، بل ارتبط بمسألة جوهرية تتعلق بحدود استخدام الدين في النزاعات السياسية والعسكرية.
وقد أثارت الفتاوى المنسوبة إلى بعض العلماء والقيادات الدينية آنذاك اعتراضات واسعة في الأوساط الجنوبية، التي رأت فيها غطاءً دينياً للحرب ومبرراً لاستهداف الجنوب وقواه السياسية والعسكرية.
ويعتبر كثير من الجنوبيين أن تلك الفتاوى أسهمت في إضفاء طابع ديني على صراع كان في جوهره سياسياً، الأمر الذي عمّق الجراح وأضعف فرص المصالحة الوطنية.
ومن هنا، فإن استحضار تلك المرحلة لا ينبغي أن يكون بهدف تأجيج الكراهية الدينية أو تحميل المجتمعات بأكملها مسؤولية مواقف قيادات سياسية، بل من أجل مساءلة الخطاب الذي استخدم الدين في الصراع، وتأكيد أن الاختلاف السياسي لا يمنح أحداً الحق في استباحة الدماء أو إقصاء الآخر.
ما بعد الحرب.. الجنوب بين الإقصاء والمقاومة السياسية
بعد حرب 1994، دخل الجنوب مرحلة جديدة من التوتر السياسي والاجتماعي، مع تصاعد شكاوى المواطنين من الإقصاء الوظيفي والعسكري، والاستيلاء على الأراضي، وتراجع الشراكة السياسية التي قامت عليها الوحدة.
ومع مرور السنوات، تراكمت هذه المظالم لتتحول إلى قضية سياسية واجتماعية واسعة، لم تعد مقتصرة على خلاف بين حزبين أو قيادتين، بل أصبحت مرتبطة بمطالب شعبية تتعلق بالحقوق والهوية ومستقبل الجنوب.
وفي هذا السياق، ظهرت الحركة الاحتجاجية الجنوبية، ثم اتسعت المطالب السياسية وصولاً إلى بروز المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة الرئيس عيدروس بن قاسم الزبيدي، الذي تبنى مشروع استعادة الدولة الجنوبية بوصفه أحد المسارات السياسية المطروحة في الجنوب.
وقد ظل حزب الإصلاح، باعتباره أحد أبرز مكونات المشهد السياسي اليمني، في دائرة الانتقادات الجنوبية، خصوصاً في ظل الاتهامات الموجهة إلى بعض قياداته وشخصياته بالارتباط بمراكز النفوذ التي أسهمت في إضعاف الجنوب بعد الحرب.
لكن من المهم التمييز بين مواقف الحزب الرسمية، ومواقف قياداته المختلفة، وبين الوقائع الموثقة والاتهامات السياسية التي تحتاج إلى أدلة مستقلة، حتى لا يتحول التحليل الصحفي إلى مجرد إعادة إنتاج للخطاب التعبوي.
صراع مستمر على الهوية والقرار السياسي
إن جوهر الأزمة الجنوبية لا يتوقف عند حزب الإصلاح أو الرئيس السابق علي عبدالله صالح، بل يرتبط بمسألة أوسع تتعلق بطبيعة الدولة اليمنية، وبفشل مشروع الوحدة في بناء شراكة عادلة تحترم خصوصية الجنوب وحقوق أبنائه.
فقد أثبتت التجربة أن أي مشروع سياسي يقوم على فرض الإرادة بالقوة، أو تجاهل المطالب الشعبية، لا يمكن أن يحقق استقراراً دائماً. كما أن استخدام الدين أو القبيلة أو النفوذ العسكري لإقصاء طرف سياسي لا يؤدي إلا إلى تعميق الانقسامات وإطالة أمد الصراع.
ومن هذا المنطلق، يرى كثير من الجنوبيين أن القضية الجنوبية لم تعد قابلة للاختزال في خلافات حزبية أو تحالفات عابرة، بل أصبحت قضية شعب يطالب بتقرير مستقبله السياسي، وتحديد شكل الدولة التي يريدها، بعيداً عن الوصاية والإملاءات.
الجنوب لن يكون رهينة التحالفات السياسية
إن قراءة تاريخ العلاقة بين الجنوب وحزب الإصلاح تكشف عن حجم التعقيدات التي صنعتها التحالفات السياسية والدينية والعسكرية في اليمن، وعن الدور الذي لعبته تلك التحالفات في تشكيل مسار الصراع منذ الوحدة وحتى اليوم.
وبينما تتباين الروايات بشأن مسؤولية الأطراف المختلفة عن حرب 1994 وما تلاها، تبقى الحقيقة الأهم أن الجنوب دفع ثمناً باهظاً من استقراره وحقوقه ومكتسباته، وأن معالجة هذه القضية تتطلب الاعتراف بالمظالم، ومراجعة الماضي، واحترام الإرادة الشعبية الجنوبية.
فالجنوب، الذي خاض مراحل طويلة من الصراع، لم يعد مستعداً لأن يكون ورقة في حسابات القوى السياسية، أو ساحة لتصفية الخلافات بين الأحزاب ومراكز النفوذ.
وإذا كان حزب الإصلاح أو غيره من القوى السياسية يسعى إلى المشاركة في مستقبل اليمن، فإن الطريق إلى ذلك لا يمكن أن يمر عبر تجاهل القضية الجنوبية أو التقليل من مطالب أبنائها، بل عبر الاعتراف بحقهم في تقرير مصيرهم، واحترام خياراتهم السياسية، والتخلي عن منطق الهيمنة والإقصاء.
إن التاريخ لا يُمحى بالشعارات، ولا تُغلق جراحه بمحاولات تبرير الماضي. فالمصالحة الحقيقية تبدأ بالاعتراف بالحقائق، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفق القانون، ورفض توظيف الدين في الصراعات السياسية، وضمان ألا تتكرر مآسي الحروب التي مزقت المجتمع
وفي نهاية المطاف، تبقى القضية الجنوبية أكبر من أي حزب أو تحالف، وأعمق من أن تُختزل في صراع بين الإصلاح وصالح أو بين الشمال والجنوب. إنها قضية هوية وحقوق وإرادة سياسية، ولن يكون أي مشروع للاستقرار في المنطقة قابلاً للحياة ما لم يتعامل معها بجدية، ويحترم تطلعات الجنوبيين إلى مستقبل يختارونه بأنفسهم.
فالجنوب الذي يرفض الوصاية، لن يقبل أن تتحول ذاكرته التاريخية إلى مجرد صفحة في سجل تحالفات الآخرين، ولن تكون إرادته الوطنية رهينة لأي حزب أو سلطة أو مشروع سياسي.









