بعد هذه الجرائم … الجنوب يُغلق الباب الأخير في وجوههم ويقلب الطاولة بلا رجعة

بعد هذه الجرائم … الجنوب يُغلق الباب الأخير في وجوههم ويقلب الطاولة بلا رجعة

كتب / فاطمة اليزيدي:

من بعد كل هذه الجرائم… أيُعقل أن يُطلب من شعب الجنوب أن يصفح؟

أيُعقل أن يُطلب من أمٍ ثكلى أن تنسى؟

أيُعقل أن يُطلب من شابٍ سُحلت كرامته في الشارع أن يبتسم لجلاده؟

أيُعقل أن يُعاد تدوير الوجوه ذاتها، والعقول ذاتها، والسياسات ذاتها، ثم يُقال لنا: “افتحوا صفحة جديدة”؟

أي صفحة هذه التي تُفتح بدمٍ لم يجف؟

أي مصالحة هذه التي تُفرض فوق الجراح؟

وأي وقاحةٍ سياسيةٍ تلك التي تعتقد أن شعب الجنوب يمكن أن يُخدع بالشعارات بعد كل ما جرى؟

لقد ظنّوا أن الجنوب سيتعب.

ظنّوا أن القمع سيُرهب.

ظنّوا أن الاعتقالات ستكسر الإرادة.

ظنّوا أن الرصاص سيُخرس الصوت.

لكنهم لم يفهموا شيئًا.

لم يفهموا أن الجنوب ليس حالة عابرة في نشرات الأخبار، بل قضية متجذّرة في الوجدان.

لم يفهموا أن كل قطرة دمٍ سقطت صارت وقودًا للوعي، وأن كل معتقلٍ خرج من الزنزانة خرج أكثر إصرارًا، وأن كل أمٍ فقدت ابنها لم تفقد إيمانها بعدالة قضيتها.

بعد هذه الجرائم، لم يعد الرفض موقفًا سياسيًا… بل صار موقفًا أخلاقيًا.

لم يعد الاعتراض خيارًا… بل واجبًا.

لم يعد الصمت حكمة… بل خيانة للدم.

كيف يُطلب من شعبٍ رأى بعيونه القمع، ولامس بيديه الظلم، وشيّع أبناءه إلى المقابر، أن يقبل بعودة من تلطخت أيديهم بآلامه؟

كيف يُطلب منه أن يمنح الثقة لمن أثبتوا مرارًا أنهم لا يرون فيه إلا ورقة ضغط أو ساحة نفوذ؟

لقد انقلب المشهد.

لم يعد الجنوب ينتظر اعترافًا من أحد.
لم يعد يراهن على وعودٍ مستهلكة.

ولم يعد يقبل بأن يُدار مصيره من غرفٍ مغلقة لا تسمع إلا صدى مصالحها.

الشعب الذي خرج إلى الساحات بالملايين، الذي واجه الرصاص بصدور عارية، الذي تحمّل الحصار والتشويه والشيطنة… هذا الشعب لا يمكن أن يُعاد إلى بيت الطاعة السياسي ببيانٍ أو صفقةٍ أو ابتسامةٍ أمام الكاميرات.

الجنوب اليوم أكثر وعيًا من أي وقت مضى.

أكثر تماسكًا.

أكثر إدراكًا أن المعركة ليست فقط على الأرض… بل على الكرامة والهوية والمستقبل.

من بعد هذه الجرائم، لم يعد السؤال: هل سيقبل شعب الجنوب بهم؟

السؤال الحقيقي: كيف يجرؤ أحد على الاعتقاد أن ذلك ممكن؟

لقد سقط القناع.

وانكشف المستور.

وتبيّن أن من مارس القمع لا يمكن أن يكون شريكًا في العدالة، وأن من أدار ظهره لمعاناة الناس لا يمكن أن يدّعي تمثيلهم.

الجنوب ليس ساحة اختبار لسياسات فاشلة.

وليس ممرًا لمشاريع عابرة.

وليس ورقة مساومة في بازار المصالح الإقليمية.

هو أرض لها شعب.
وشعب له ذاكرة.
وذاكرة لا تموت.

ختام ، من بعد هذه الجرائم، انتهى زمن المجاملة السياسية.

انتهى زمن أنصاف المواقف.
انتهى زمن الخوف.

شعب الجنوب قال كلمته، وكتبها بالدم قبل الحبر:

لا عودة لمن أجرم.

لا شرعية لمن قمع.

لا قبول لمن استهان بالكرامة.

ومن لم يفهم هذه الرسالة اليوم…
سيفهمها غدًا على وقع إرادةٍ لا تنكسر، وصوتٍ لن يُخرس، وشعبٍ قرر أن يقلب الطاولة… لا أن يجلس عليها صامتًا.