شفقة
قصة قصيرة
تململ متثاقلا على المقعد، وأشاح بوجهه فبدت التجاعيد المُتغضِّنة التي غزت ملامحه البائسة المثيرة للرحمة، إذ تدلّى حاجباه القطنيان من شدة العرق ليعيقا جزءاً من نظره. فهَمَّت كفُّه بمسحهما وإعادتهما إلى مسارهما، إلا أن لحيته البيضاء أضفت عليه هالة من الوقار الواجم.
لمحته هذا الصباح من المرآة الجانبية للباص المتهالك، والمسافة تنهب الباص وينهبها طوال خط المملاح. كان بجانب السائق وكنت خلفه تماماً، فقادني فضولي المُشفِق إلى مراقبته. وحينها قفزت إلى مخيلتي الكثير من التساؤلات الفضولية: إلى أين سيذهب هذا الرجل الطاعن في السن في هذا الحر القاتل الذي بالكاد يُحتمل؟ ولماذا تركه أبناؤه يذهب إلى وجهته وحيداً دون مُعين؟ فيبدو أن قدميه بالكاد تحمله. ووو؟
قطعت تساؤلاتي المُنداحة من تلافيف المخيلة يده المرتعشة التي ارتفعت حيث التقت الإبهام بالسبابة وحشرهما تحت شفته.
فتألمت وكاد قلبي أن ينخلع من مكانه متسائلاً: لعل خطباً ما ألمّ به؟ أو أن ألماً في اللثة داهمه!
حاولت أن أسأله هل هو بخير؟
لكنه ..
لكنه كان يُسوّي كرة "الشمة" ويتحقق من استوائها في موضعها خلف الشفة!
تمت
بسام الحروري









