باب المندب في مهب الخطر.. هل تفرض المرحلة عودة الرئيس الزبيدي والقوى الجنوبية إلى واجهة المشهد

باب المندب في مهب الخطر.. هل تفرض المرحلة عودة الرئيس الزبيدي والقوى الجنوبية إلى واجهة المشهد

تفرض التطورات المتسارعة في اليمن والمنطقة سؤالًا يتجاوز الحسابات السياسية التقليدية: هل أصبحت عودة الرئيس عيدروس الزبيدي والقوى الجنوبية إلى واجهة المشهد ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة، خصوصًا في ظل تصاعد التهديدات المحيطة بباب المندب والساحل الغربي؟ فالمعادلة الأمنية في الجنوب لم تعد قضية محلية منفصلة عن أمن الإقليم والممرات البحرية الدولية، بل أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر وخليج عدن وحركة الملاحة الدولية.
ومع تصاعد المخاوف من تمدد النفوذ الحوثي باتجاه المناطق الساحلية والممرات البحرية، تبرز أهمية إعادة النظر في دور القوى التي تمتلك حضورًا ميدانيًا وشعبيًا في الجنوب، وفي مقدمتها القوات الجنوبية، باعتبارها طرفًا حاضرًا على الأرض وقادرًا على التعامل مع التحديات الأمنية في مناطق جغرافية شديدة الحساسية.
باب المندب ليس مجرد مضيق بحري عابر، بل يمثل إحدى أهم نقاط الاتصال بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، وأي اضطراب طويل الأمد في محيطه ستكون له انعكاسات تتجاوز اليمن إلى حركة التجارة والطاقة والأمن البحري على المستوى الإقليمي والدولي. ومن هنا، فإن أي تغير في ميزان القوى على مقربة من هذا الممر الحيوي يفتح الباب أمام أسئلة جديدة حول مستقبل الترتيبات العسكرية والسياسية في جنوب اليمن والساحل الغربي.
وفي هذا السياق، يعود اسم الرئيس عيدروس الزبيدي إلى الواجهة باعتباره أحد أبرز الفاعلين السياسيين الجنوبيين، خصوصًا أن المرحلة الحالية تبدو مختلفة عن مراحل سابقة كانت فيها الأولويات السياسية والعسكرية موزعة بين ملفات متعددة. فالمخاطر المرتبطة بالممرات البحرية، إلى جانب التهديدات الحوثية والتوترات السياسية والعسكرية، قد تدفع باتجاه إعادة ترتيب الأوراق وإعطاء القوى الجنوبية وزنًا أكبر في أي ترتيبات قادمة.
ولا يتعلق الأمر، في جوهره، بشخص الرئيس الزبيدي وحده، وإنما بمنظومة سياسية وعسكرية وشعبية باتت ترى أن أمن الجنوب مرتبط ارتباطًا وثيقًا بأمن مناطقه الساحلية وممراته البحرية. ولذلك فإن عودة الحضور الجنوبي القوي إلى صدارة المشهد يمكن أن تُطرح بوصفها استجابة لمتطلبات الأمن والاستقرار، لا مجرد عودة إلى صراع النفوذ السياسي.
الجنوب أمام اختبار جديد
التحدي الأكبر يتمثل في أن الجنوب يقع في قلب الجغرافيا الأكثر حساسية في المنطقة. فمن عدن إلى لحج وأبين وشبوة وحضرموت والمهرة، وصولًا إلى السواحل والممرات البحرية، تمتد مساحة جغرافية تمثل عمقًا استراتيجيًا للبحر الأحمر وخليج عدن.
وأمام هذه المعادلة، فإن إضعاف القوى المحلية القادرة على ضبط الأرض قد يخلق فراغًا أمنيًا تستفيد منه الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والتنظيمات المتطرفة. كما أن أي محاولة لإدارة هذه المناطق من خارجها، دون الاستناد إلى القوى الموجودة على الأرض، قد تواجه تحديات كبيرة تتعلق بالقبول الشعبي والقدرة على الانتشار والاستجابة السريعة.
ومن هنا تظهر أهمية القوات الجنوبية، ليس فقط باعتبارها تشكيلات عسكرية، وإنما باعتبارها قوة موجودة ميدانيًا ولها خبرة طويلة في التعامل مع التهديدات الأمنية داخل المحافظات الجنوبية. ويطرح ذلك سؤالًا أساسيًا: هل تستطيع أي ترتيبات أمنية جديدة تجاهل هذه القوات، في الوقت الذي تتزايد فيه المخاطر على السواحل والممرات البحرية؟
باب المندب يغيّر قواعد اللعبة
إذا ثبت اتساع نطاق السيطرة أو النفوذ الحوثي على مواقع مؤثرة بالقرب من باب المندب، فإن ذلك يعني أن قواعد اللعبة الأمنية في اليمن ستكون أمام تحول بالغ الخطورة. فالمسألة لن تتوقف عند حدود الصراع اليمني الداخلي، وإنما ستتصل مباشرة بأمن الملاحة الدولية وبمصالح دول عديدة.
وفي هذه الحالة، يصبح تأمين الساحل والموانئ والممرات البحرية أولوية لا تحتمل التأجيل، ويصبح وجود قوى محلية منظمة وقادرة على الانتشار والاستجابة جزءًا من أي استراتيجية واقعية للتعامل مع المخاطر.
وهنا تحديدًا يمكن فهم الدعوات التي ترى ضرورة إعادة القوى الجنوبية إلى مركز القرار السياسي والأمني، باعتبار أن الجنوب لا يستطيع أن يبقى بعيدًا عن صناعة القرارات المتعلقة بأمن أراضيه وسواحله، خصوصًا إذا كانت التهديدات القادمة من الشمال أو من البحر تمس بصورة مباشرة أمنه القومي ومصالح سكانه.
الزبيدي أمام مسؤولية المرحلة
عودة الرئيس الزبيدي إلى واجهة المشهد، وفق هذا الطرح، لا تعني بالضرورة العودة إلى مربع التصعيد السياسي، بل يمكن أن تعني الانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على تثبيت الموقف الجنوبي في أي ترتيبات سياسية وعسكرية قادمة.
فالمرحلة المقبلة قد تحتاج إلى قيادة جنوبية تمتلك القدرة على مخاطبة الداخل والخارج في آن واحد، وتستطيع طرح قضية الجنوب ضمن معادلة الأمن الإقليمي، بدل بقائها ملفًا مؤجلًا إلى ما بعد انتهاء الحرب.
كما أن أي ترتيبات تخص الساحل الجنوبي أو باب المندب أو خليج عدن سيكون من الصعب فصلها عن موقف القوى الجنوبية التي ترى أن أمن هذه المناطق جزء أساسي من أمن الجنوب ومستقبله السياسي.
من يملأ الفراغ؟
السؤال الأكثر إلحاحًا الآن ليس فقط من يسيطر على الأرض، وإنما من يستطيع حماية الأرض ومنع تحولها إلى ساحة مفتوحة أمام الجماعات المسلحة وشبكات التهريب ومشاريع النفوذ الإقليمي.
فالتجارب السابقة في اليمن أظهرت أن الفراغ الأمني غالبًا ما يتحول إلى فرصة للخصوم. وكلما تراجعت القوى المحلية المنظمة، ازدادت فرص القوى الأخرى في التمدد وإعادة رسم خرائط النفوذ.
ولهذا فإن التعامل مع الجنوب باعتباره مجرد ساحة ثانوية في الصراع اليمني قد يكون تقديرًا غير واقعي. فالجنوب يمتلك موقعًا جغرافيًا يجعله جزءًا من معادلة أمن البحر الأحمر وخليج عدن، كما أن سواحله وموانئه وممراته البحرية تمنحه أهمية تتجاوز حدود الجغرافيا اليمنية.
المرحلة تفرض إعادة ترتيب الأوراق
في ضوء ذلك، تبدو المرحلة الحالية بحاجة إلى إعادة تقييم شاملة لموازين القوى، بعيدًا عن الحسابات التي سادت خلال السنوات الماضية. فالمخاطر الجديدة تفرض البحث عن صيغة أكثر واقعية تقوم على إشراك القوى الموجودة على الأرض، وتعزيز التنسيق الأمني، ومنع أي فراغ يمكن أن تستغله جماعة الحوثي أو غيرها.
ومن هذا المنطلق، فإن عودة الرئيس الزبيدي والقوى الجنوبية إلى واجهة المشهد قد تكون، بالنسبة إلى مؤيدي هذا الطرح، استجابة طبيعية للتحولات الجديدة، خصوصًا إذا استمرت التهديدات التي تطال باب المندب والساحل الغربي والممرات البحرية.
لكن نجاح هذه العودة لن يكون مرتبطًا بالشعارات وحدها، بل بقدرة القوى الجنوبية على تقديم رؤية سياسية وأمنية متماسكة، والتعامل مع التحديات الإقليمية والدولية بلغة المصالح المشتركة، والتأكيد على أن استقرار الجنوب وحماية ممراته البحرية يمثلان مصلحة محلية وإقليمية ودولية في الوقت نفسه.
وفي النهاية، يبدو أن التطورات المحيطة بباب المندب قد أعادت الجنوب إلى قلب المعادلة الجيوسياسية اليمنية. وإذا استمرت المخاطر الأمنية والعسكرية في التوسع، فإن تجاهل القوى الجنوبية أو محاولة تجاوزها في أي ترتيبات مستقبلية قد يصبح أكثر صعوبة.
فالمرحلة الجديدة لا تبحث فقط عن من يمتلك السلاح، وإنما عن من يمتلك القدرة على حماية الأرض والممرات البحرية، والحفاظ على الاستقرار، وامتلاك قرار سياسي واضح. ومن هنا، قد لا تكون عودة الزبيدي والقوى الجنوبية إلى واجهة المشهد مجرد خيار سياسي، بل ورقة تفرضها طبيعة الجغرافيا وتعقيدات الأمن الإقليمي إذا ما تأكد اتساع التهديد الحوثي حول باب المندب.