باب المندب ن سياسة الوفاق إلى سياسة الإكراه الإيرانية
حدث اليوم/مقال/بقلم/نشوان نصر
لم يكن وصول الحوثيين إلى باب المندب حدثاً عابراً أو مفاجئاً بل هو حصاد ثمان سنوات من الوقت المهدور. منذ توقف معركة الحديدة في عام 2018 وهي آخر معركة هجومية كان زمام المبادرة فيها بيد الحكومة والتحالف، دخل المعسكر المناهض للحوثي في دوامة من الخلافات البينية وغياب التراكم الاستراتيجي، بينما كان ميزان القوى يختل يوماً بعد يوم لصالح الحوثيين.
ما نراه اليوم في باب المندب هو نتيجة مباشرة لذلك الخلل ونتيجة لتحول أخطر حدث في طهران نفسها.
أعتقد أن المعادلة اليمنية منذ 2022 بنيت على أساس سياسة الوفاق بين السعودية وإيران، والتي بدأت في عهد إبراهيم رئيسي وتوجت باتفاق بكين وتفاهمات مسقط وخارطة الطريق. لهذا ظلت الجبهة اليمنية محيدة حتى أثناء حرب الـ 12 يوماً وحرب الـ 40 يوماً ضد إيران، وحتى عندما اشتعلت جبهات المنطقة منذ 7 أكتوبر.
لكن الذي تغير اليوم هو أن إيران قررت التخلي عن سياسة الانفراج مع المملكة والعودة إلى سياسة الإكراه.
هذا التحول لم يأت من فراغ، بل هو انعكاس لتغير بنية صنع القرار داخل إيران نفسها. نحن انتقلنا من ما يمكن تسميته بـ عقيدة لاريجاني التي هندست اتفاق المصالحة وحسن الجوار وزار صاحبها الرياض والتقى بولي العهد، إلى عقيدة وحيدي المتشددة بقيادة مجتبى خامنئي وجنرالات الحرس الثوري.
المفارقة الصارخة كانت في يوليو الماضي بينما كان نائب وزير الخارجية السعودي يحمل رسالة تعزية من الملك سلمان إلى طهران كان الحرس الثوري يرسل طائرة محملة بالسلاح إلى صنعاء. كانت تلك هي لحظة التحول الحاسمة. بدأ بعدها تجاوز الخطوط الحمراء: الجسر الجوي، ضرب العمق السعودي، إعلان الحصار البحري ثم الهجوم على المخا ومأرب وصولاً إلى باب المندب.
قد يسأل البعض: أيهما أهم للحوثي مأرب أم المخا؟ والإجابة قولاً واحداً هي مأرب، بثقلها الجيوستراتيجي والسياسي والاقتصادي والسكاني. لكن إيران أذكى من أن تدفع الحوثي شرقاً لأن ذلك خط أحمر فاقع سيستنفر السعودية بشكل كامل ويدفعها لمواجهة وجودية.
في المقابل كانت كلفة تعطيل الملاحة في البحر الأحمر عالية جداً على طهران لأنها تغضب حلفاءها قبل خصومها وعلى رأسهم الصين المستفيد الأكبر من حرية الملاحة لذلك التزم الحوثيون بالتريث الاستراتيجي طوال حرب غزة ليس استقلالاً بقرارهم، بل التزاماً دقيقاً بتعليمات طهران.
اليوم حققت إيران معادلة ذهبية: سيطرة مكانية على باب المندب دون تعطيل الملاحة تحسن موقعها التفاوضي مع واشنطن دون أن تغضب بكين وهذا ما يفسر ثقة محسن رضائي عندما قال في 20 سبتمبر إن إيران بدأت تطرح شروطها للتفاوض بعد إنجاز اليمن.
أمام هذا الواقع لم يعد ممكناً للسعودية أن تتعايش مع تهديد الحوثيين بهذا القدر والرهان الأعمى على تدخل دولي يحسم المعركة هو خطيئة استراتيجية. إيران تقوض حينما تقطع أذرعها وليس حينما يضرب رأسها كما حدث مع حزب الله وسقوط النظام السوري.
سيناريو المساومةأن تكتفي إيران بورقة باب المندب كورقة تفاوضية لابتزاز واشنطن والذهاب لتهدئة مؤقتة.
وهو الأخطر استمرار الحرب الرمادية وتكرار سيناريو المخا الحوثي لن يهاجم المدن المركزية كعدن وحضرموت ومأرب مباشرة بل سيعمل على تطويقها وقطع أوصال الشرعية. نقطتا الضعف اليوم هما محور حريب صافر لتهديد مأرب وقوس حيفان لعزل تعز عن لحج وعدن، ليحول الشرعية إلى مجرد جيوب.
وهو تحول الحكومة والتحالف من الدفاع إلى الهجوم. وهذا السيناريو مرهون بعاملين: الصمود المحلي وتوحيد العمليات المشتركة والسياق الإقليمي وقدرة المملكة على حشد حلفائها كـ مصر وتركيا وباكستان.
في تقديري، نقطة الإجماع المحلي والإقليمي والدولي لأي عمل عسكري قادم ستكون الساحل الغربي بالكامل من ميدي إلى باب المندب. يجب حسمه بشكل لا رجعة فيه. ورغم أن قدرة الحوثيين على إطلاق الصواريخ تراجعت 70% بعد الضربات الأمريكية في 2025، إلا أنها لم تتحول لمنجز استراتيجي لغياب الفاعلية على الأرض.
الخلل في المخا لم يكن خيانة فردية كما يروج البعض بل خلل هيكلي وغياب لمركز القيادة العملياتية الموحد. الجميع قاتل والجميع قصر.
لذلك فإن رفع منسوب الثقة مع المجتمع الدولي لن يكون بالدعاء وخطاب الوعود بل بالفعل على الأرض بتحصين الجبهات ومنع تكرار سيناريو المخا وإثبات أن هناك فاعلاً محلياً ذا إرادة ذاتية يمكن الاستثمار فيه.









