مليونية الثبات.. تحوّل في الوعي ورسالة سيادة من قلب العاصمة عدن

مليونية الثبات.. تحوّل في الوعي ورسالة سيادة من قلب العاصمة عدن

بقلم / ليان صالح

في لحظة سياسية فارقة، تدفقت الحشود الجنوبية إلى ساحة العروض في العاصمة عدن، لتصنع مشهدًا وطنيًا كثيف الدلالات في فعالية حملت عنوان “مليونية الثبات”. لم يكن الحدث مجرد حشد جماهيري تقليدي، بل تجسيدًا حيًا لتحوّل عميق في الوعي الجمعي، ورسالة سياسية صريحة بأن الجنوب حاضر بقوة في معادلة القرار.

الحشود التي تقاطرت من مختلف المحافظات الجنوبية عكست حالة من الاصطفاف الشعبي الواضح خلف مشروع سياسي هو تعبير عن الهوية والحق في تقرير المصير. وفي هذا السياق، بدا المشهد أقرب إلى استفتاء شعبي مفتوح في الهواء الطلق، تُرفع فيه الشعارات، وتُعلن فيه المواقف، وتُرسم فيه حدود المرحلة المقبلة.

سياسيًا، حملت المليونية عدة رسائل متزامنة؛ أولها للداخل الجنوبي، حيث أكدت أهمية وحدة الصف وتماسك الجبهة الداخلية في ظل التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية. وثانيها للقوى الفاعلة على الساحة الجنوبية ، بأن أي ترتيبات أو قرارات تتعلق بمستقبل الجنوب لا يمكن أن تتجاوز إرادة الشارع الجنوبي أو تقفز فوق مطالبه. أما الرسالة الثالثة، فكانت موجهة إلى الإقليم والمجتمع الدولي، ومفادها أن الجنوب بات رقمًا صعبًا في أي معادلة تسوية قادمة.

وجددت الجماهير خلال الفعالية دعمها للقيادة السياسية ممثلة بالرئيس القائد عيدروس الزبيدي، في مشهد يعكس استمرار الرهان الشعبي على هذه القيادة لإدارة المرحلة بحكمة سياسية وقدرة تفاوضية تحافظ على الثوابت الوطنية، وتتعاطى بمرونة مع تعقيدات الواقع.

من زاوية تحليلية، تكشف “مليونية الثبات” عن انتقال الخطاب الجنوبي من مربع رد الفعل إلى مربع الفعل والمبادرة. فالحشود لم تخرج فقط للاحتجاج أو الاعتراض، بل لتثبيت سردية سياسية واضحة: لا وصاية على القرار الجنوبي، ولا قبول بفرض أمر واقع ينتقص من السيادة أو يفرّغ التضحيات من مضمونها.

كما أعادت الفعالية التأكيد على أن أدوات العمل السياسي لدى الجنوبيين لم تعد محصورة في البيانات والمواقف الرسمية، بل بات الشارع ذاته أحد أهم أدوات التأثير والضغط، ضمن إطار سلمي منظم يعكس درجة عالية من الانضباط والوعي.

إن ما جرى في عدن يتجاوز حدود فعالية جماهيرية عابرة؛ إنه مؤشر على مرحلة جديدة تتشكل ملامحها تدريجيًا، عنوانها الأبرز: إرادة سياسية شعبية تسعى إلى تثبيت حضورها في أي مسار تفاوضي أو تسوية قادمة. وفي ظل واقع إقليمي متغير وتعقيدات داخلية متشابكة، تبدو الرسالة واضحة: الجنوب ليس ساحة فراغ، بل فاعل رئيسي يمتلك قراره وإرادته.

ختامًا، يمكن القول إن “مليونية الثبات” أعادت ترتيب أوراق المشهد السياسي الجنوبي، ورسخت معادلة مفادها أن الشرعية الشعبية تظل الركيزة الأهم لأي مشروع سياسي يسعى إلى البقاء والاستمرار.